سعدي الشيرازي الشاعر الإنسان (د/ أحمد موسى)


نشرت هذه المقالة في مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة في المغرب، العدد المزدوج 12-13، سنة 2010.
ملخص المقالة :
 لا شك أن شهرة سعدي الشيرازي في المشرق و المغرب أمر لا يختلف عليه اثنان، فقد عُرف منذ القديم لدى الغربيين – و خاصة الفرنسيين منهم – بالمفكر الحكيم و الشاعر الإنساني الذي ترك بصمات كبيرة في الأدب و الفكر الفرنسي.
و هذه الشهرة الكبيرة التي نالها هذا الأديب و المفكر الإيراني لم تكن وليدة الحالة الإبداعية و الموهبة الشعرية فحسب، بل جاءت نتيجة شخصيته الكبيرة التي توالدت عبر جهد كبير و ترحال طويل و عناء متواصل من أجل الكشف و الاستنتاج و الكدح الإنساني.فهو أديب و مفكر ملتزم و إنسان مرهف الحس و شاعر كسّر طوق الحصار المذهبي و القومي و اللغوي فأنشد للإنسانية جمعاء و ناجاها بهمومها و أحزانها و تطلعاتها بحس إبداعي مرهف و بلغة عالمية موحدة و بوعي إنساني كبير..فهو لم يدّع أنه مدرسة في الشعر الفارسي أو العربي، بل إنه تجرّد من كل خصوصياته الذاتية و أنشد لهموم البشرية.
 إذن ستحاول هذه المقالة إبراز مكانة سعدي الشيرازي و فكره و أدبه بين الأدباء الفرنسيين في العصر الحديث و كشف الحجاب عن البعد الإنساني في شخصيته من خلال تتبع و دراسة آثاره النثرية و الشعرية و على الخصوص "لستان" ،لتصل الدراسة إلى نتيجة مهمة تتلخص في كون حضور سعدي الشيرازي بثقله في آداب الغرب عموماً و الأدب الفرنسي على وجه الخصوص و تأثر العديد من الأدباء الفرنسيين بشخصيته و أفكاره و أدبه يدل على عالمية هذا الأديب و تجاوزه حدود الوطن و اللغة و المذهب أو الدين، وهذا ما يؤكد الأبعاد الإنسانية لهذا الشاعر و التي رصدتها هذه المقالة.
مكانة سعدي الشيرازي و أثره في الأدب الفرنسي :
 سعدي الشيرازي من الشخصيات النادرة في الآداب العالمية ،يعد واحداً من كبار الشعراء و الأدباء الذين أعطوا الأدب الفارسي مذاقه الخاص المتفرد و ساهموا في إعلاء شأنه حتى تجاوز حدود وطنه و الأوطان الإسلامية و ارتقى إلى مصاف الآداب العالمية بل و تبوأ مركز الريادة فيها. فترحاله و هو يمتطي جواد الإرادة و الإخلاص و يجوب العالم و يطوف كثيراً من بلدانه و يخالط شتى أجناسه و يذوق حلوه و مره و إقامته في موطنه يقدم للبشرية جمعاء ما اكتسبه من أسفاره في الأنفس و الآفاق..كل هذا يبرز في آثاره الخالدة فتارة يتمظهر في صورة شعر يصبح مثلاً و تكتب له الشهرة العالمية و تارة أخرى يبدو في شكل حكاية أخلاقية و قصة إنسانية تعبر عن مثله العليا و قيمه الإنسانية السامية في صورة ناطقة حية.
 لا شك إذن في أن شهرته كبيرة في المشرق و المغرب، فإذا كان إنساناً شرقياً فهو عرف منذ القديم لدى الغربيين – و خاصة الفرنسيين منهم – بالمفكر الحكيم و الشاعر الإنساني الكبير الذي ترك أوضح التأثير في الأوساط الأدبية و الفكرية و حتى السياسية في فرنسا.
 فتاريخ تعرّف الأدباء الفرنسيين على سعدي الشيرازي و اطلاعهم على أدبه و فكره يعود إلى سنة 1634م حيث اقتفوا أثره في ذلك و نسجوا على منواله فلقيت آثارهم هذه إعجاباً كبيراً لدى الدارسين و الأدباء المهتمين في فرنسا، و وقع عدد كبير منهم تحت نفوذ فكره و أثره. و كان كتابه "لستان" [1] أول أثر له ترجم إلى اللغة الفرنسية في بداية القرن 18 و طبع مرات عديدة، و كان ذلك بعناية و اهتمام آبه كودن Abbé Gaudin [2]. جاء بعده تانكواني Tancoigné الذي تعلم الفارسية في إيران سنة 1807م ،ترجم نصف كتاب "لستان" إلى الفرنسية. ثم سيأتي بعده سمله Sémelet الأستاذ في مدرسة اللغات الشرقية لينبري لترجمة الـ "لستان" من جديد و كان ذلك سنة 1834م[3].لكن بعد ذلك سيأتي دوفرمري Défrémery ليكمل ترجمة الـ "لستان" و جزء من ديوان "بوستان"[4]، و ذلك سنة 1858م[5].طُبعت هذه التراجم مرات عديدة الشيء الذي ساهم في تعرّف الشعراء الفرنسيين على الأدب الفارسي.
يعتبر آندره شنيه André chénier واحداً من شعراء القرن الثامن عشر في فرنسا الذين افتتنوا بأدب سعدي الشيرازي و باقي الشعراء الإيرانيين، و الدليل على ذلك ما نلاحظه في دفتر خاطراته من الإشارات و الملاحظات المتعلقة بسعدي و بشخصيته و أدبه لعله بذلك يتمكن يوماً من الأيام من نظم شعر ينبع فيه من منابع سعدي و يصدر عن روضته العطرة، لكن الموت لم يمهله حيث وافاه الأجل سنة 1794م[6].
 كل ما استعرضنا يوضح مدى رسوخ أدب سعدي – وخاصة "ﮔلستان" – و انتشار قيمه الإنسانية بين الشعراء الفرنسيين. لكن مع ذلك يبقى أول أثر نسجله حول سعدي الشيرازي في بداية القرن 19 هو المسرحية المنظومة في ثلاثة مشاهد و الموسومة بـ "ﮔلستان" أو "محلل سمرقند" و قد اقتفت أثر سعدي و تتبعته في استعمال مفهوم "العشق" و أسلوب "الطنز" و "التنكيت"، فمزجت بين هذه العناصر الثلاثة على غرار ما نراه في "ﮔلستان". عُرضت هذه المسرحية لأول مرة سنة 1805م و لاقت إقبالاً و نجاحاً منقطع النظير، صاحب هذه المسرحية هو بواسن دو لا شابوسيير Poisson de la chabeaussière [7] كان له اطلاع وافر و إلمام جيد على الأدب الفارسي عموماً و أدب سعدي الشيرازي بوجه خاص.
 لو أردنا تتبع إعجاب الفرنسيين بأدب إيران فلن تكفينا هذه الإشارات، و ربما يجب إفراد مقالة خاصة بهذا الموضوع. لكن لاستعراض النماذج لابد من ذكر فيكتور هيكو Victor Higo الأديب و الشاعر الفرنسي المرموق صاحب ديوان "الشرقيات" الذي نظمه بتأثر من الأدب الشرقي كما يُفهم ذلك من عنوان ديوانه، لأن الشرق كان خلال هذه الفترة يعرف نهضة أدبية راقية أثرت بشكل واسع على الغرب و على الأدب الأوروبي. أفرغ فيكتور هيكو في ديوانه "الشرقيات" كل ما طالعه حول إيران و شعرائها المبرزين. فقد اقتبس في هذا الإبداع كثيراً من مضامين سعدي، و من بين ذلك مفهوم عدم خلود هذه الدنيا، و سرعة مرور العمر و ضعف كل القوى و الآمال و غيرها من الأفكار و الموضوعات المطروقة في آثار سعدي، و للتدليل على هذا المدعى يمكن الرجوع إلى "شرقيات" فيكتور هيكو و مقارنة مضامينها بفقرات من كتاب "ﮔلستان"[8].
يتجلى تأثر هيكو بالمضامين "السعدية" كذلك في أثره الآخر المسمى "الأوراق الخريفية" les feuilles d'autonne و هي مجموعة شعرية نشرها سنة 1831م، و تأثير الدراسات الإيرانية واضح عليها و بادي على أشعار هذه المجموعة.
 لا يخفى ما تركته ديباجة "ﮔلستان" سعدي في نفوس الشعراء و الأدباء الفرنسيين و بخاصة التغني بعناصر كالبستان و الورد و البلبل و النسيم السحري و غيرها من الموضوعات التي شدت انتباه العديد من شعراء الرومانسية الفرنسيين و عملوا على استلهامها في آثارهم. فبعد فيكتور هيكو نجد أن آلفرد دوموسه أقبل على سعدي و اقتبس مضمون إحدى أجمل حكايات "ﮔلستان" المعروفة باسم "قصة سار البيضاء" Histoire d'un merle blanc  و تحدث في هذه الحكاية الإستعارية عن قصته نفسه و أسقط أحداثها على ذاته لأنه كان عاشقاً لأديبة ز كاتبة روائية معروفة تدعى جرج سان[9] ثم جفت عليه و على إثر ذلك اعتزل الناس جميعا.
نفس هذه المضامين أي الورد و البستان و البلبل و...كانت مورد إلهام لشاعرة أخرى تعرف بدبورد والمور Marceline Desbordes-Valmore(1859-1786) في نظم قصيدة رائعة حوّلها الموسيقي الشهير رومه كير Marcel Rouméguère إلى مقطوعة موسيقية[10].كانت والمور شاعرة مرهفة الحس متأثرة باضطرابات العصر إلى حد كبير.
 لا يخفى على الدارسين أن كلا من آلفرد دوموسه و فيكتور هيكو و دبورد والمور ينتمون إلى المدرسة الرومانسية، و أن فيكتور هيكو هو زعيم هذه المدرسة بدون منازع. و من خصوصيات هذه المدرسة الاحتراق بنيران الشوق و العشق و شرح أحوال الحب، و هذه سمات تنعدم في باقي المذاهب الأدبية كالمدرسة الفنية من أجل الفن و مدرسة "بارناس"، فمثل هذه المذاهب كانت تحترز من ذكر و بيان الشعور و الإحساس و تكتفي فقط بنقل القصص و الحكايات التاريخية مجردة عن كل إحساس. لكن مع ذلك نجد آثار سعدي الشيرازي في أشعار بعض رواد هذه المدارس، و على رأسهم لوكنت دوليل Le conte de lisle[11] زعيم مدرسة "بارناس" فإننا نرصد أثر الـ "ﮔلستان" و "بوستان" بكل وضوح في منظومته "ورود أصفهان" les roses d'Ispahan .
 بعد تأسيس مدرسة "بارناس" بثلاث سنوات سيصل إلى قصر الرئاسة الفرنسية شخص يدعى سعدي كارنو Sadi Carnot (1837-1894) و كان أول رئيس دولة في العالم يسمي نفسه "سعدي"، وقصة ذلك طويلة و لا مجال لذكر تفاصيلها هنا. الأمر الذي يفسر مدى نفوذ أفكار و صفات سعدي في فرنسا ليس على مستوى الأدباء و الشعراء فقط بل حتى على مستوى الطبقة السياسية الرفيعة.
من بين الساسة الآخرين الذين تأثروا بسعدي الشيرازي أيضا نذكر مادام رولان التي كانت تعيش في عصر الثورة و كانت تشارك زوجها جان ماري رولان[12] الذي كان وزيرا للدولة سنة 1792م في شؤونه السياسية.قضت هذه السيدة نصف عمرها في السياسة و تركت مذكرات مخطوطة بخط يدها تحت عنوان "الحكايات الشرقية"[13] و هي موجودة حالياً في المكتبة الوطنية بباريس، تبدو فيها متأثرة بأفكار سعدي إلى حد كبير. كانت مادام رولان و من قبلها سعدي كارنو يرغبان في إضفاء طابع الواقعية على كلام سعدي الشيرازي و تطبيقه على أرض الواقع، و هذا كان مستحيلا مما حذا بهما الأمر إلى وضع حد لحياتهما.
 مع بداية القرن التاسع عشر سينتهي عصر الرومانسية بكل تداعياتها و سيبتدئ عصر جديد يطغى عليه العقل و العلم، و سيعرف تمازج العقل و الإحساس و هذا بدوره سيؤثر على الرؤى الفنية و الأدبية للفرنسيين، و سيشهد هذا القرن كذلك ميلاد مدارس جديدة و على رأسها المدرسة الرمزية. مع ذلك لن يخلو هذا العصر من أدباء و شعراء تعلقوا بأدب سعدي، من بين أولئك نذكر اوجن مانويل Eugène Manuel الذي ألف مجموعة قصصية سنة 1888م تحت عنوان "أشعار البيت و المدرسة"[14] مستلهماً من سعدي الشيرازي الشيء الكثير. أما آندره بلسور André Bellessort[15] فقد أنشد قصيدة في وصف سعدي سنة 1894م ضمّنها عنصر "الطنز" و "المطايبة" و "النقد الاجتماعي"..
 عشاق سعدي من الأدباء و الشعراء الفرنسيين أكثر بكثير من أن يحصرهم العد في هذا المقام، و سأكتفي بذكر أسماء بعضهم ممن لم يتسنّ لنا الحديث عنه و التعريف به على أن نعود في مقالة مفردة لإيفاء المطلب حقه من البحث و الدراسة و التحليل :
مريام هاري Harry Myriam التي زارت مزار سعدي في شيراز و بعد عودتها إلى فرنسا شرحت شوقها و إعجابها بهذه الشخصية الفذة في شعر جميل[16].
برانسس بي بسكو كاتبة و روائية مبرزة ذهبت إلى إيران أوائل القرن العشرين، تعرفت على سعدي و حافظ و باقي أدباء إيران الكبار عن طريق أحد قضاة مدينة "بندر أنزلي" يدعى "شهاب خان" فبث في قلبها حب سعدي و كلامه البليغ، ثم بعد ذلك ستجول في إيران و تتعرف على طريقة عيش المرأة الإيرانية عن كتب، و حين تعود إلى فرنسا ستدون مذكرات سفرها في صورة رحلة سمتها "هشت بهشت" )الجنان الثمانية( .
كنتس دو نوآي Anna Comtesse Mathien de Noailles(1876-1933) و هي كاتبة و روائية و شاعرة تعشق إيران و سعدي، و انعكس عشقها هذا في الأشعار الرقيقة التي أنشدتها، ومن ذلك كتاب "العجائب"[17] المفعم بخلاصاتها و مطالعاتها حول سعدي و باقي الشعراء و مشاهداتها في معارض الفن الإيراني.لم يكن إعجابها به سطحياً إنما ينبع عن عمق لدرجة أنها كانت تتمنى أن تدون "ﮔلستان" مثل "ﮔلستان" سعدي.
موريس باريس Mourice Barrès[18]  الكاتب الشهير، عاش هو الآخر في أحضان "ﮔلستان" سعدي و كان عاشقاً لإيران و تعرف على آدابها بمساعدة زملائه في مدرسة اللغات الشرقية، و تأثر كثيراً بسعدي و استلهم أفكاره و عمل على نقل تأثره إلى كتاب آخرين كـهانري دو مونترلان Henry de Montherlant(1896-1972) و الإخوان جروم تارو و جان تارو الذين تأثرا بسعدي و اقتبسا منه العديد من الحكايات المدرجة في أشعار "تقويم السنة"[19]، منهجهما في النقل عن سعدي يشبه منهج لافونتين و الشعراء و الكتاب الذين سبقوهم.يعمدان أحياناً إلى نقل حكاية بعينها عن سعدي ثم يضفون عليها قليلا من التغيير مع شرح و تبسيط لها, و أحياناً ينقلان من أبواب مختلفة في "كلستان" –كما كان يفعل لافونتين- و أحياناً أخرى ينقلان من الـ "ﮔلستان" و الـ "بوستان" معاً و من آثار أدبية أخرى كـكليلة و دمنة و جوامع الحكايات و غيرها..
الأخوان تارو لم يكونا يصرحان بنقلهما عن سعدي بخلاف ليون كيو دو سه Léon Guillot de Saix الكاتب و الشاعر الذي أحذ بدوره عن سعدي و كان يصرح بنقوله. لقد كان تعرفه على سعدي عن طريق الترجمات المتعددة لـ "ﮔلستان". لقد لعب دوراً هاماً في تعريف القراء و الدارسين الفرنسيين بسعدي و بأدبه و أفكاره و شخصيته. فقد قضى مدة خمسين عاماً أي منذ 1903م إلى 1961م في نشر القصص و الحكايات التي كان في مجملها متأثراً بسعدي.و حكاياته هذه شاملة و جامعة لكل معلوماته عن سعدي و عن التاريخ و الثقافة الإيرانية، و قد قضى نصف قرن يروج كلام سعدي و أدبه في الصحف و المجلات الفرنسية من أمثال : la Borgonde d'or )سنوات 1935 – 1936 – 1938 – 1939( و la Bonté )عدد سنة 1940(.
 كما لا يفوتنا الإشارة إلى شاعر فرنسا الكبير و هو لويس آراكون Aragon Louis و قصيدته المطولة في وصف "الزا" Elsa و أساسها مقتبس من ديباجة الـ "ﮔلستان" من القطعة التي يقول فيها سعدي شيرازي :
ﮔلى خوشبوى در حمام روزى
رسيد از دست مخدومى بدستم
بدو ﺒﮕفتم كه مشكى يا عبيرى
كه از بوى دلاويز تو مستم
ﺒﮕفتا من ﮔلى ناﭽيز بودم
وليكن مدتى با ﮔل نشستم
كمال همنشين بر من اثر كرد
و ﮔر نه من همان خاكم كه هستم[20]
فمعظم كتاب "Elsa" هو تفسير و شرح لهذه الأبيات و آراكون نفسه يحيل في مقدمة كتبه على سعدي، و يسترسل في ذكر الطين و التراب و العطر و الورد..
البعد الإنساني في أدب سعدي :
إنسانية سعدي لصيقة بشخصيته و تكشف عن نفسها بمجرد ذكر أبياته أو بعض كلماته، فهو يدعو إلى الإخاء بين بني البشر و نبذ الفرقة و التطاحن و الصدام، و يدعو إلى السمو بالمعاني و الأحاسيس الإنسانية، فهو بلسان العصر يدعو إلى حوار الحضارات و الأديان و ينبذ صراعها و ينهى عن اصطدام بعضها ببعض.
فإذا كان سر نجاح أي أديب أو كاتب يكمن في عدة عوامل، فإن لسعدي الشيرازي في نظرنا خاصية يتفرد بها عن باقي الأدباء جعلته يكبر في نفوس قرائه و سامعيه و المتعرفين على آثاره –رغم تباين لغاتهم و ثقافاتهم و إيديولوجياتهم- ألا و هي المحنى الفكري و الشعوري في القطعة الأدبية، و يبرز ذلك بجلاء في إنسانية سعدي، فإنسانيته تتجلى في حبه للناس جميعاً مهما كان لونهم و جنسهم و لسانهم في دعوته إلى أن نشارك الآخرين همومهم و في ألا نجعل اللون و الدين و القومية سبباً للتمييز بين البشرية، الشيء الذي نعاني منه في يومنا هذا و نشتكي من تبعاته. فسعدي يعتبر من لا يتألم لآلام الآخرين و من لا يهتم بهمومهم و مشاكلهم مجرد عن صفة الإنسانية و يصدق عليه أن يحشر مع جنس آخر غير بني البشر :
بنى آدم اعضاى يك ﭙيكرند          كه در آفرينش ز يك ﮔوهرند
ﭽو عضوى بدرد آورد روزﮔار          دﮔر عضوها را نماند قرار
تو كز محنت دﻴﮔران بى غمى         نشايد كه نامت نهند آدمى[21]
أي : إذا لم تتألم لمصاب الناس جميعاً فلست إنساناً بهذا القياس.
نعم أدبه إنساني بحت، استمد قوته من تعاليم الدين الحنيف التي تلتقي تعاليمه مع كل الأديان و تتحد معها في إبلاغ رسالة عالمية تحض على الخير و تأمر بالمعروف و السلم و المساواة بين جميع الناس على اعتبار أنهم سواسية كأسنان المشط، و تحث على الإنصاف و العدل. و قد تجلى كل ذلك في حكاياته في "ﮔلستان" و في رسائله و خطبه العديدة الأخرى، و هكذا في كل القضايا التي تناولها سعدي و لامس فيها الجانب الإنساني و الأخلاقي في حياة البشر، و قد كان يرى دائماً أن بناء الإنسان على الأرض هو الخطوة التي يجب أن تتم قبل أن يبدأ علاقته بالسماء[22].
 كما تجلى ذلك في أثره الشعري "بوستان" الذي قل نظيره في بساتين الأدب. فهو يضم بين ساحاته المترامية الأطراف جنان المعرفة و الحكمة و حدائق الأخلاق و الاجتماع و السياسة، فأصبح بذلك بوستانه مثلا سائراً يتفوه به الخاص و العام.
 إذن صفة سعدي الأساسية هي تفاعله الجاد مع قضايا الإنسان، فهو يحاول أن يتجرد في الوقت المناسب من لغته و قوميته و انتماءاته الأخرى و يغني للبشرية بكل ما فيها من عقل و إرادة و وجدان و أحاسيس، و بكل ما تكابده أثناء كدحها من آلام و محن و قضايا و أفكار و عقبات...
 و يمكن استجلاء هذا البعد الإنساني لسعدي في العديد من قصائده-الفارسية منها و العربية- على حد سواء، و منها تلك التي قالها في مدح نور الدين بن صياد، فعلى رغم ما درجت عليه العديد من قصائد المدح من الانهماك في رصد مناقبية الممدوح، تجد سعدي يفتح فسحة للحكمة و الموعظة لعموم البشرية، و يشرع نافذة على فلسفة الحياة و دور الإنسان فيها، يبدأ سعدي قصيدته هذه بمطلع رشيق و صياغة محكمة مستفيدا من تراقص نغمات بحر البسيط و أمواجه المموسقة، مخترقا مجال اللغة العادي ليؤسس في المتلقي لغة شعرية زاخرة بالجديد من التعابير و الصور :
مادام ينسرح الغزلان في الوادي          احذر –يفوتك صيدُ- يا ابن صياد
                      و اعلم  بأن  أمام  المرء   بادية         و قاطع  التبر  محتاج  إلى  الزاد
                      يا من  تملّك  مألوف الذين  غدوا         هل يطمئنّ صحيح العقل بالغادي ؟[23]
و يبدأ من نقطة تجمع إبداعات الإنسان و محطّ آماله و تطلعاته و هي الحياة الدنيا، تلك الساحة التي تتمظهر فيها قابليات الإنسان و إرادته و وعيه لتشكيل مجرى أحداثها. و الدنيا عند سعدي أشبه بالريح التي "تمر بآكام و أطواد" و بما أن الريح شيء حفيف و متنقّل و زائل و غير فابل للإمساك، يختزل سعدي نظرته الإنسانية إليها بما تتضمنه النظرة الوعظية إلى الإنسان ليرعوي كونه مسافراً فيها، و يلتفت إلى أداء وظيفته الإلهية على ظهرها، مخاطباً ابن آدم – أي عموم البشرية- بدون أن يخصّ خطابه بدين أو قومية أو لغة أو... :
                           و   إنما   الدنيا    و   زينتها           ريح   تمر   بآكام   و   أطواد
                           إذ لا محالة ثوب العمر منتزع           لا  فرق   بين   سقلاط  و  لباد
                           ما  لابن آدم  عند  الله  منزلة           إلا   و   منزله  رحب    لقصّاد
                          طوبى لمن جمع الدنيا و فرقها          في مصرف الخير غير باغ و لا عاد[24]
فيتسم مضمونه بسعة و شمولية الخطاب الشعري لجميع الناس، حاثاً إياهم على إشاعة مضمون خلقي اجتماعي متعدد المعاني : الزهد في دنيا فانية، الكرم و السخاء و الترحيب بالقصاد، و الاستفادة من الحياة الدنيا لخير الإنسان و استقطاب فعالياته لسعادته الأبدية.ثم يستكمل حكمته في رصد مشهد الإنسان في حياته الدنيا، و أن عليه أن يتيقن من بأن لحياته هذه نهاية و حكمة و مشهداً أخيراً عليه أن يدخله في حساباته في غضون التعامل معها، و أن للإنسان نفساً هي مصدر إشعاع و إلهام و كسب و ارتقاء و تكامل، فإن تمكّن من تفعيل طاقاتها الكامنة في واقعه بلغ مبلغاً عظيماً  لا يصل إليه حتى أولئك المتعبدين و المنهمكين في أذكارهم :
كما تيقّنت أن الوقت منصرف          أيقن بأنك محشور لميعاد
                            و  بما  بلغت  نفس  بجودتها          ما لا  يبلّغها  تهليل  عبّاد[25]
فسعدي يدعو إلى استكناه النفس البشرية و تفجير طاقاتها، ويقلل من أهمية التنسك في مقابل العطاء الاجتماعي الذي يهدف إلى تكامل الفرد و المجتمع...بل يدعو إلى حسن الخلق و إشاعة القيم الخيّرة :
جد و ابتسم و تواضع و اعف عن زلل          و انفع خليلك و انقع غلة الصادي
                   و  لا   تضرك   عيون   منك  طامحة         إن  الثعالب  ترجو   فضل   آساد
                   و  هل    تكاد    تؤدي   حق    نقمته         و الشكر  يقصر عن  إنعامه البادي
                   إن  كنت   يا   ولدي   بالحق   منتفعاً         هذي     نصيحة    آباء    لأولاد[26]
لكن رغبات سعدي و آماله و أمانيه تتجلى في "بوستان" أكثر من أي أثر آخر من آثاره، و بعبارة أخرى إنه يصوّر فيه المدينة الفاضلة التي ينشدها. إن حديثه في هذا الكتاب عن دنيا الواقع الطافحة بالقبح و الجمال و الظلمة و النور، و الفساد و الشقاء قليل. أما عالم الـ "بوستان" فكله جمال و نقاء و عدل و إنسانية، أي مثلما ينبغي أن يكون عليه العالم. فحين نملّ ظلمات عالمنا و آلامه و فساده نجد السير في "بوستان" سعدي أطرف و أحسن، فهو يبين لنا المثالية المنشودة، و يبعث فينا الهمم كيلا نظل غارقين في لجج الانحطاط و الشقاء، و يحفزنا على التحليق في سماء صافية تشع بالسعادة و الحرية.
 أساس عالم سعدي العدالة، و هي قيمة من قيم الإنسانية المهمة، لذا فقد خصّ هذا الموضوع بالباب الأول و الأهم من بستانه. فسعدي يحب الحاكم المخلص لله في عمله و مسعاه و رعيته و يرى أن الحاكم الذي لا يخرج على طاعة الله فإن أحداً لن يستطيع الخروج على طاعته. لقد كانت نصائح كسرى أنوشروان لابنه "هرمز"، و خسرو ﭙرويز لابنه "شيرويه" نبراساً و منهاجاً لإيجاد الملك و الحكم على النحو المطلوب :
                        شنيدم  كه  در وقت  نزع روان          به هرمز ﭽنين ﮔفت نو شيروان
                       كه خاطر ﻨﮕه دار و درويش باش          نه  در بند  آسايش خويش  باش
                        نياسايد   اندر  ديار  تو  كس         ﭽو آسايش خويش جويى و بس
                        نيايد   به   نزديك  دانا  ﭙسند         شبان خفته و ﮔرﮒ  در ﮔوسفند
                        برو  ﭙاس  درويش محتاج دار       كه  شاه  از  رعيت  بود  تاجدار
                       رعيت ﭽو بيخند و سلطان درخت     درخت اى ﭙسر باشد از بيح سخت[27]
أي : كن نصير الفقراء و حاميهم، و لا تكن أنانياً لا يفكر إلا في راحة نفسه فحسب. فليس محموداً أن يغفل الراعي و يعبث الذئب بالغنم. الحاكم شجرة جذورها الرعية، و أنت يا بني ثابت ما رسخ جذرك. حاول ما استطعت ألا تكْلم قلوب الناس، فإن تفعل فإنك تقتلع جذرك بنفسك.
 من هنا يرى سعدي أن تأييد الأمة هو مصدر قدرة الحكام، فلكي تسود العدالة يجب أن ينهض نظام الحكم و مناهجه على كل ما يخدم مصلحة الناس، و أن يتولى شؤونهم المتقون الذين يخافون الله.
 الظلم و العدوان مرفوضان في عالم سعدي، و معاقبة الوالي الجائر من واجب الحاكم، لأنه لا يصح السكوت و الصبر على الولاة الجائرين.
 العدل ممدوح و نافع في عالم سعدي، تماماً كما هو الظلم مذموم و ضار، و ما أكثر ما يوازن سعدي في البستان بين هذين النهجين. إن جمال المجتمع الذي تسوده العدالة و الذي يريد سعدي يتجلى حين نرى شقاء الظالمين، من مثل ما يرويه عما قيل عن أخوين، كان أحدهما عادلاً و الآخر ظالماً، و قد ذاع صيت الأول و اشتهر بعد موت والده لعدله و رحمته، أما الآخر فتغلّب عليه أعداؤه لأنه ظلم و استبد[28].
 البستان عالم الحقيقة لأن فيه لقول الحق و قبوله مكاناً مرموقاً، وكلام سعدي فيه موجّه إلى كل صاحب بيان و قلم ممن يرغبون في أن يكون لهم في عالمه مكان و منزلة :
                      ﭽو خود را قوى حال بينى و خوش          به شكرانه بار ضعيفان بكش
                      اﮔر   ﭙرورانى  درخت  كـــرم          بر نيكنامى خورى لا جـرم[29]
أي : أنت شجاع في القول يا سعدي، فجاهد مادام سلاحك في يدك، قل ما تعلم، فقول الحق أفضل، فأنت لست راشياً و لا مرتشياً. اقطع الطمع، و إلا فاغسل كتاب الحكمة، اقطعه و قل ما تريد..
 يشعّ في كل ناحية و صوب من عالم سعدي كل ما يشرح الفؤاد من إنسانية و إيثار و شهامة، ففيه نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام أشخاص استطاعوا التغلب على حب النفس، و السيطرة عليها و التطلع إلى مسائل و موضوعات بعيدة عن منافعهم الشخصية. في مكان من البستان نجد رجلا من متبعي الحق اعتاد أن يشتري من "دكان" كاسد مهمل، يقول لزوجه –التي كانت تقول له- : لا تشتر من دكان حارتنا – "إنه جاء إلى هنا أملاً فينا". و في مكان آخر نرى تحسر سعدي و تألمه لجاره، فهو لا يهنأ بعيشه مادام جاره فقيراً و ينزف دماً :
                        شبى  دود  خلق آتشى  برفروخت           شنيدم كه  بغداد  نيمى  بسوخت
                        يكى شكر ﮔفتى در آن خاك و دود          كه   دكان  ما  را  ﮔزندى  نبود
                       جهانديده اى  ﮔفتش  اى  بو الهوس          ترا  خود غم خويشتن بود  و بس
                        بسندى  كه  شهرى  بسوزد به  نار         اﮔر  خود   سرايت   بود  بركنار[30]
أي : أتحب أن تحترق مدينة و يسلم بيتك دون غيره ؟ كيف يهنأ الغني بعيشه و الفقير ينزف دماً ؟ فحين يقطع الأصحاء مراحلهم يصعب عليهم النوم لتخلّف المرضى.
في كل زاوية من البستان أشخاص من هذا الطراز، عظماء، ذوو شهامة، أجواد، من مثل لقمان –كان أسود اللون- الذي ظنوه عبداً فوكلوا إليه أحسن الأعمال، لكنه أفاد من هذا و اعتبر، فكانت تجربة مفيدة له، و لم يؤذ غلامه من أجلها[31]. و من مثل أبي يزيد البسطامي الذي كان خارجاً من الحمام لتوه صبيحة العيد، فإذا برجل يلقي على رأسه طشت رماد، فبدلاً من أن ينتقم منه خاطب نفسه قائلا:
كه اى نفس من درخور آتشم          به خاكسترى روى در هم كشم[32]
أي : لا تجزعي من ذرة رماد، و النار أولى بك في المعاد.
 القوة و العظمة –في رأي سعدي- تكونان بالحلم و التواضع، لا بالتكبر و الأنانية و الانتقام[33].إن سبيله حب الإنسانية و التسامح و الشهامة، و هو ما يعرض له في عالمه. هذه النماذج تؤثر في كل من يطوف في البستان، و مثل المتأثرين به مثل الشرفاء و الأحرار فيه، كلٌّ يسير في دروب الإنسانية.
 الناس في عالم سعدي متكافلون في السراء و الضراء، فمن لا نصيب له في هذه الفضيلة، لا وجود له في هذه المدينة الفاضلة. من أجل هذا لم يبق لمن كان ذا سعة و ثروة إلا العظم و الجلد في السنة التي نزل فيها القحط بدمشق لتألمه للآخرين و مساعدتهم، حتى إن آلام الفقراء و أحزانهم جعلت وجهه شاحب اللون أصفر، فكانت نظرته إلى صديق يتعجب من تألم المتألمين نظرة العاقل إلى السفيه، و كان يعتقد أن لا فائدة في الجلوس على الشاطئ و الأصدقاء يغرقون :
                        ﭽنان   قحط  سالى  شد  اندر دمشق          كه ياران فراموش كردند عشق
                        ﻨﮕه  كرد  رنجيده  در  من  فقيــه          ﻨﮕه كردن  عاقل  اندر  سفيـه
                        كه مرد ار ﭽه بر ساحل است اى رفيق        نياسايد   و   دوستانش   غريق
                        من   از   بينوايى   نيم   روى  زرد         غم   بينوايان   رخم   زرد كرد
                        منغص   بود   عيش   آن   تندرست          كه  باشد  به ﭙهلوى بيمار سست
بستان سعدي يصنّف الناس و يضع كلاًّ في مكانه : ففيه تتجلى العواطف الإنسانية و المحبة و التعاون و التوادّ بكل صورها. فخالق البستان –الذي فقد والده طفلاً، و خبر ألم اليتيم- لا يضع دستوراً للرفق باليتامى فقط، إنما ينبه على ما يخدث في الإنسانية كلها من تزلزل و اضطراب حين يقول : "لا تقبّل ابنك حين ترى يتيماً مطرقاً. و حاذر أن يبكي فإن العرش يهتز لبكاء اليتيم"[34].
 البستان عالم الإنسانية و التسامح بكل ما في الكلمة من معنى، و هذا المفهوم لا يكون رفيعاً إذا تقوقع في حدود الجنس و الدين و المذهب. في هذا المكان يلوم الله جل جلاله الخليل لطرده شيخاً مجوسياً[35]، و فيه تقبل توبة المذنب النادم، أما المتقى المغرور الذي يأبى مجالسته، فمصيره جهنم، و لو جالس عيسى عليه السلام[36] كما أن تصرف فقيه عفّ ينظر إلى سكران بأنفه مغروراً بطاعة الله ليس محموداً[37]، أفلا يمكن أن يكون بين الأوباش عباد صالحون، مثلما نجد الجوهر وسط الحجارة السوداء القاتمة[38].
 الشفقة و المحبة ليستا وقفاً على الآدميين، بل كل كائن حي بهما حقيق و جدير، فليس عجباً أن يجزي الله شخصاً سقى الماء كلباً في الصحراء بمغفرة جميع ذنوبه[39] و أن ينغص الاهتمام براحة نملة تائهة في كيس قمح على المتصوف الكبير الشبلي[40] نومه إلى أن تعود النملة إلى حجرها، لأنها ذات روح و الروح غالية[41].
 إن إنسانية سعدي في الشفقة و المحبة تصل إلى أوجها فتشمل الشخص التائه، و الكلب الحائر و النملة الضعيفة التي تحمل قوتها، فما أكبر الفرق بين عالمه و عالم تزهق فيه أرواح ملايين الناس في حربين عالميتين كبيرتين، في حين يدعي أناسه أنهم أهل الثقافة و الحضارة و التمدن. ليس عبثاً إذن أن يلقب سعدي بالإنساني و بشاعر الإنسانية بكل ما في الكلمة من معنى.
 الإحسان و عمل الخير في نظر سعدي أسمى و أرفع من كل عبادة، ها هو يخاطب عابداً على طريق الحج : "إن الإحسان المؤدي إلى الراحة و الطمأنينة يعدل ألف ركعة في كل محطة من محطات الحج"[42].
إن شرف الإنسان و مكانته يقدران بقدر ما يؤديه من خدمة و نفعٍ للآخرين :

عبادت بجز خدمت خلق نيست          به دلق و سجاده و سبحه نيست
إذا لم تكن منفعة الناس متأصلة في طبعك فأنت و الحجر سواء[43]،فضلاً عن هذا فالنعمة و المال لا يدومان.
 خلاصة القول أن العالم الذي ينشده سعدي في آثاره عالم الإنسانية الحقة و الفضيلة و الصدق و الصراحة و النور و الحقيقة. إنه ينشد العالم الذي لا ينظر إلى مظاهر الناس و صورهم. هذا العالم يجعلنا نحلّق بآمالنا. و يصور لنا العالم الذي يجب أن يكون و يحثّ على عدم القناعة و الرضا بعالمنا الواقعي، بل السعي إلى عالم أفضل و أكثر إنسانية.
 إن مدينة سعدي الفاضلة في أدبه و فكره تمثله لنا شاعراً و أديباً قد سبق عصره، لأننا أحوج ما نكون إلى آرائه و أفكاره في واقعنا المعاش، فلم يكن بدعاً و لا غريباً أن يعدّ الغربيون في القرن 18 و 19 أشعاره و أفكاره آيات سماوية و أن يضعوه في مصاف الشعراء العالميين و يسعوا للتأسي به و بأخلاقه و أن يقتبسوا أفكاره و مضامين كتاباته كما رصدنا ذلك في أول هذا البحث.

الهوامش و التعليقات :
[1] "ﮔلستان" و معناه "جنة الورد" و هو أجود ما كتب في النثر الفارسي ،بلغت شهرته الآفاق، ونقلت آثاره إلى لغات كثيرة، وكان محل إعجاب الأمم و الشعوب إلى يومنا هذا.و قد أكمله سنة 656هـ و تجلى فيه نبوغه و بنى عليه صرح مجده الأدبي الشامخ، وقدمه باسم ولي العهد سعد بن أبي بكر بن سعد بن زﻨﮕﻰ..
2 Abbé Gaudin (J), Essay historique sur la législation de la Perse, précédé de la traduction complete du Jardin des roses de Saadi
Sémelet (N.), Gulistan ou le Parterre des fleurs du Sheikh Moslih-eddin Sadi de    Shiraz, traduit…3
4 "بوستان" ديوان منظوم انتظمت فيه حكايات بديعة سامية، استهل به سعدي نتاجه الأدبي في تلك الحقبة التي تعد أخصب حقب حياته عطاء أي في سنة 655 هـ.
Defrémery (Charles), Gulistan ou le parterre de roses, Par Sadi…5
Lanson (G.), et Tuffran (P),Histoire de la littérature francaise,P.497  6
Poisson de la Chabeaussière (Ange Etienne Xavier, 1752 -1820). Apologues moraux imités  7  pour la plupart de Saadi le persan, Paris, S.d
  8راجع "الشرقيات" ، الطبعة الأولى  ، 1829 القطعة المعنونة بـ "les tronçons du serpent" و كذلك القطعة رقم 41.
  9اسمها الحقيقي Aurore Dupin ، لم تدم قصة حبهما أكثر من سنة واحدة.
"les roses de Sadi" ,Poésie de Madame Desbordes-Valmore, musique de Marcel 10         Roumégueère, in Notre Midi 10, Première année, n 10, juillet 1920
  11كان يعيش من 1814 إلى 1894م ، و كان شاعراً متشائماً، لكنه ترك أشعاراً جميلة مع ذلك رغم أنها كانت تفتقد إلى عنصر الإحساس.
Jean-Marie Roland (1754-1793)  12
Fables orientales  13 ، كتبت السيدة رولان خاطراتها في مدة سجنها، نشرت خلاصة هذه الخاطرات سنة 1895م و نشرت نسختها الكاملة سنة 1864.
Eugène Manuel, Poésies du foyer et de l'école.  14
André Bellessort  15 كاتب وشاعر و أستاذ جامعي.
Harry Myriam, Femmes de Perse, Jardins d'Iran, "le tombeau de Saadi", Paris, 1941, P.163.    16
Les Eblouissements, Paris, 1907.  17
Mourice Barrès, Une enquete aux pays du la Levant, 1923, P.11   18
Les vers d'Almanach, 1945  19
  20ديباجة الـ "ﮔلستان" بعناية غلامحسين يوسفي، ص : 9. و أشير إلى أن كل الإحالات ستكون على هذه الطبعة من الـ "ﮔلستان".
  21ﮔلستان سعدى، بعناية غلامحسين يوسفي، الباب الثاني، ص : 331
  22التصوف عند الفرس، الدكتور : إبراهيم الدسوقي شتا، ص : 37
  23كليات سعدي، بعناية محمد على فروغي، ص : 849
  24نفسه ، ص : 851
  25نفسه ، ص : 852
  26كليات سعدي ، بعناية محمد علي فروغي ، ص : 95-98
  27بوستان سعدي ، بعناية غلامحسين يوسفي ، ص : 241 ، و نشير إلى أن كل الإحالات ستكون على هذه الطبعة.
  28نفسه ، ص : 41-42.
  29نفسه ، ص : 32
  30بوستان سعدى ، ص : 39
  31نفسه ، ص : 154-155
  32نفسه ، ص : 241
  33بوستان سعدى ، ص : 145
  34نفسه ، ص : 72-73
  35بوستان سعدي ، ص : 84
  36نفسه ، ص : 131-133
  37نفسه ، ص : 227
  38نفسه ، ص : 96-97
  39نفسه ، ص : 81-82
  40هو أبو بكر الشبلي، جعفر بن يونس ، المشهور بدلف بن جحدر (نحو 247-334 هـ) متصوف معروف. جمع ديوانه و حققه و صدره بمقدمة الدكتور كامل الشيبي، بغداد 1967م.
  41بوستان سعدي ، ص : 85-88
  42نفسه ، ص : 79
  43بوستان سعدي ، ص : 14

البيبليوغرافيا المعتمدة في هذه المقالة :
1/ قلمرو سعدي ، على دشتي ، مؤسسة انتشارات أمير كبير ، طهران ، 1381.
2/ تاريخ الأدب في إيران من الفردوسي إلى سعدي، إدوارد براون، ترجمة : إبراهيم أمين الشواربي، مكتبة الثقافية الدينية، الطبعة الأولى.
3/ كليات سعدي ، بعناية محمد علي فروغي، الطبعة الثالثة ، طهران ، 1342.
4/ بوستان سعدي، بعناية غلامحسين يوسفي، الطبعة الثانية، 1363.
5/ ﮔلستان سعدي، بعناية غلامحسين يوسفي، طهران، 1368.
6/ الأثر العربي في أدب سعدي، أمل إبراهيم محمد، الدار الثقافية للنشر.
7/ التصوف عند الفرس، إبراهيم الدسوقي شتا، مطبعة دار الهلال، 1983.
8/ نحن و تراث فارس، يوسف حسين بكار، المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، دمشق، 2000.
9/ Adam (Antoinie), Histoire de la littérature française au 17 e siècle, Paris, 1956-1961, 5 vol.
10/ Aragon (Luis), Le crève-cœur, Paris, 1941.                                
11/……………, le fou d’Elsa, Paris, 1963.
12/ Barbier de Meynard (casimir), Le Bostan ou Verger, Poème de Saadi, traduit pour la première fois en français, avec une introduction et des notes, Par…, Paris, 1894.
13/ Barrès (Maurice), Une enquête aux pays du levant , Paris, 1923, 2 vol.
14/ Bellessort (André), Mythes et poèmes, Paris, 1894.
15/ Defrémery (charles) « le Boustan de Sa’di, texte persan avec un commentaire » par…,in journal Asiatique, t. 74, 1858.
16/…………… « Gulistan ou le Parterre de roses, traduit du persan et accompagné de notes historique,géographiques et littératures, Par…,Paris 1858.
  


























إرسال تعليق