مقالات صحفية تهم الشأن الإيراني

تتضمن هذه الصفحة مقالات صحفية تعالج بعض القضايا في السياسة الإيرانية الداخلية والخارجية وعلاقات إيران بالعالم العربي، وقد نشرتها في موقع جريدة هسبريس الالكترونية. وفي هذا الجدول بيان بعناوين المقالات وتاريخ النشر والروابط، حتى يتسنى للزائرين قراءتها والتعليق عليها   :


عنوان المقال
تاريخ النشر
الرابط
1/ الرئيس الإيراني الجديد وتحديات المرحلة.
12/08/2013
2/ الحكومة الإيرانية الجديدة : إقصاء للإصلاحيين وتهميش للمرأة
25/08/2013
3/ مواقف إيران المتناقضة من الأحداث   في   مصر.
27/08/2013
4/ صحف إيرانية : إيران ستدعم سوريا   "المظلومة" حتى النهاية.
07/09/2013
5/ إيران تتشبث بالطاقة النووية رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة.
15/09/2013
6/ مرشد إيران يعطي الضوء الأخضر للحكومة من أجل التفاوض مع الغرب
24/09/2013
7/ العلاقات بين إيران وأمريكا : فاكهة خامنئي المحرمة
10/10/2013
8/ هل تنتقل إيران من سياسة التحدي إلى دبلوماسية التنازلات
لم ينشر بعد
9/ هل يضع خامنئي "حجر عثرة" في طريق المفاوضات
23/11/2013
10/ إلى أين يقود حسن روحاني إيران
25/12/2013
11/ خامنئي يضبط إيقاع المحافظين والإصلاحيين
25/04/2014
12/ ماذا فعل الخميني وولاية الفقيه بالمؤسسة الدينية في إيران
09/06/2014
http://www.hespress.com/international/228091.html
13/ تقييم الصحافة الإيرانية لتوغل داعش في العراق
25/06/2014
14/ إيران ومرارة "فقدان" العراق
01/07/2014
http://www.hespress.com/writers/234626.html
15/ ظلال عاشوراء على الملف النووي الإيراني
07/11/2014
http://www.hespress.com/writers/245734.html
16/ نظرية "الاقتصاد المقاوم" عند مرشد الثورة الإيرانية
22/01/2015
http://www.hespress.com/writers/252892.html
17/ مسار العلاقات المغربية الإيرانية المتذبذب
10/02/2015
http://www.hespress.com/orbites/254619.html



تحديّات جدية تُطوّق ولاية الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني
تحديّات جدية تُطوّق ولاية الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني
د.أحمد موسى*
الاثنين 12 غشت 2013 - 08:00
الرئيس الإيراني الجديد وتحديات المرحلة
في الوقت الذي استقبل فيه المجتمع الدولي والداخل الإيراني خبر ظفر المرشح المعتدل الشيخ حسن روحاني بكرسي الرئاسة في الانتخابات الحادية عشرة في تاريخ نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي جرت بتاريخ 14 يونيو المنصرم، بنوع من الرضا والارتياح، وتجاوبت العملة الإيرانية (الريال) إيجابياً مع هذا الحدث، إذ سجلت ارتفاعاً طفيفاً بعد مدة طويلة كانت فيها في منحى تنازلي. رأى المختصون في الشأن الإيراني أن نشوة الانتصار هذه سوف لن تدوم طويلاً حتى يتواجه الرئيس الجديد مع التحديات الجدّية التي ستطوّق ولايته الرئاسية. وأبرز هذه التحديات تتعلق بالمحاور الثلاثة التالية : السياسة الخارجية، والسياسة الداخلية، والأوضاع الاقتصادية. وهي ملفات شائكة وثقيلة، تقتضي معالجتها، وربح رهانها بذل جهود مضنية، وتوافق تام مع أقوى مؤسستين في البلاد : قيادة الثورة، والحرس الثوري.
السياسة الخارجية
إن أولى أولويات الرئيس الجديد في السياسة الخارجية الإيرانية تتمثل في حل الملف النووي الذي يرتبط أيما ارتباط بالأوضاع الاقتصادية الداخلية المعقّدة. وهو الرجل الخبير بخبايا هذا الملف، حيث أدار المفاوضات بشأنه مع الغرب، وخاصة مع ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، خلال الفترة الممتدة من 2003 لغاية 2005 بحكم ترؤسه حينها للمجلس الأعلى للأمن القومي، وقيادته لفريق المفاوضين. وهو بلا شك يدرك جيداً أن ظروف اليوم تختلف كلياً عن ظروف تلك السنوات. وهو الذي أعلن في أول لقاء له مع الصحافة بعد انتخابه رئيساً أنه سينتهج سياسة شفافة وتفاعلية لحل هذا المشكل، ولكنه استدرك في نفس اللقاء قائلاً أن "تعليق تخصيب اليورانيوم بات أمراً من الماضي".
مع ذلك فالمتتبعون للملف النووي الإيراني يستبعدون الشفافية التي تحدث عنها الرئيس المنتخب في ظل عدم السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة موقع "پارچين" وتفتيش مفاعل "اراك" للماء الثقيل. والجميع يدرك أن السماح بهذا الأمر، قبل أن يكون في يد الرئيس، هو في يد القائد الأعلى للدولة آية الله علي خامنئي.
من ناحية أخرى لا يمكن الحديث عن انتهاج سياسة تفاعلية بدون قبول تعليق تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 %، والذي لم تعد إيران في حاجة إليه (تحتاج إيران إلى 120 كيلوغراماً فقط من اليورانيوم المخصّب بنسبة 20 % من أجل إجراء الأبحاث والدراسات العلمية في مركز طهران، لكنها أنتجت أكثر من 300 كيلوغراماً). وبدون تنفيذ إيران للبروتوكول الملحق بمعاهدة NPT لا يمكن تعزيز هذه السياسة.
يتوقع الخبراء بأن الرئيس الإيراني المنتخب الذي جعل من شعار "التفاعل البنّاء مع العالم" أساساً لسياسته الخارجية سوف يسعى لتحسين علاقات طهران مع الدول الغربية، وخاصة مع الدول الأوروبية. وسوف يحاول أيضاً إصلاح وترميم العلاقات مع الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط، هذه الصلات التي تضررت كثيراً بفعل تداعيات الأزمة السورية المستمرة منذ سنتين، وبفعل تدخل إيران في شؤون الدول العربية، وعملها على نشر الفوضى وخلط الأوراق فيها، وزعزعة استقرارها. لكن هذا المبتغى يبدو بعيد المنال، إن لم أقل مستحيلاً، ويتطلب إحراز تقدم فيه، أولاً، بناء جسور الثقة التي تبدأ بسحب إيران دعمها لنظام بشار الأسد، وسحب قواتها المتواجدة على أرض المعركة، وأمر قوات حزب الله اللبناني بالعودة إلى قواعده، ولا تنتهي عند الكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية. وأعتقد جازماً أن النظام في إيران الذي يعتبر سوريا الأسد أكثر من عمق استراتيجي له، بل مرتكزاً لسياساته الخارجية، سوف لن يسمح للرئيس الجديد تقليب أوراق هذا الملف.
وبالرغم من أن الشيخ حسن روحاني اشترط عدم تدخل أمريكا سياسياً وعسكرياً في شؤون إيران لتطبيق معاهدة الجزائر الموقعة بين طهران وواشنطن سنة 1981 وإطلاق مفاوضات بين البلدين، إلا أننا ندرك أن هذا الموضوع، هو كذلك، يخرج عن دائرة اختصاصاته، والوحيد الذي يملك قرار الحسم فيه هو مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي. وبدون الحوار مع أمريكا وإطلاق مسلسل المفاوضات معها، يبدو من المستبعد جداً التوصل إلى حل للملف النووي الإيراني، وإيجاد مخرج للأزمة السورية المتفاقمة، وانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، ومحاربة التشدد، وغيرها من القضايا الحسّاسة.
السياسة الداخلية
بالرغم من أن الشيخ حسن روحاني سعى إلى تقديم نفسه كرئيس لكل الشعب الإيراني، وكشخص يتموقع خارج الأجنحة والجبهات السياسية، إلا أنه يعلم علم اليقين أنه لولا الدعم المباشر للرئيسين الأسبقين، آية الله هاشمي رفسنجاني وسيد محمد خاتمي، وانسحاب المرشح الإصلاحي محمد رضا عارف من سباق الانتخابات الرئاسية لصالحه، لما تربع اليوم على كرسي الرئاسة.
مما لا شك فيه أن طلب الجناح الإصلاحي المشاركة في حكومة الرئيس روحاني، ومطالبة منتسبي هذا الجناح والمتعاطفين معه الرئيسَ الجديد بالعمل على فك الحصار المضروب على رموزه : مير حسين موسوي، ومهدي كروبي، المرشحين اللذين اعترضا على نتيجة انتخابات 2009 التي أوصلت محمود أحمدي نجاد لكرسي الرئاسة لولاية ثانية، فوضعا قيد الإقامة الجبرية من حينها، سيواجه معارضة حادة من الجناح المحافظ (الأصولي).
من ناحية أخرى فإن هذا الأخير الذي يستحوذ على مقاعد مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان الإيراني)، ويسيطر على السلطة القضائية ومؤسسة الإذاعة والتلفزيون، وتتوافق وجهات نظره ومواقفه مع الحرس الثوري، مازال يعيش تحت صدمة الهزيمة في انتخابات 14 يونيو رغم كثرة مرشحيه وقوّتهم. إلا أنه سيخرج سريعاً من هذا الوضع ويقف سداً منيعاً أمام الرئيس الجديد وحكومته، تماماً كما فعل في فترة رئاسة محمد خاتمي، آخر رئيس إصلاحي.
مسألة أخرى في غاية الأهمية في السياسة الداخلية الإيرانية، ستشكّل تحدياً للرئيس الجديد وحكومته، وستلقي بظلالها على المشهد السياسي الداخلي، ألا وهي تصفية الحسابات المتراكمة بين المحافظين والرئيس المنقضية ولايته محمود أحمدي نجاد.
تأهيل الاقتصادي الإيراني
يتسلم الرئيس الجديد حسن روحاني مقاليد الأمور في إيران في وقت انخفضت فيه صادرات النفط الإيراني، الذي يعتبر أهم مصدر للدخل في البلاد، لتصل إلى أقل من مليون برميل يومياً. كما يواجه تحصيل الدولار المترتب عن بيع النفط صعوبات جمّة بسبب العقوبات المفروضة على البنك المركزي الإيراني.
من جهة أخرى فإن أكثر المصانع الإيرانية التي تستورد موادها الأولية أو جزءاً من منتجاتها من الخارج باتت إما شبه معطّلة أو على وشك الإقفال. هذا وقد حدّد مركز الإحصاء الإيراني نسبة البطالة خلال شهر ماي المنصرم في 11,2 %، ونسبة التضخّم في 31,3 %، الرقم الذي يشكك فيه أغلب الخبراء الإيرانيين.
أعلن السيد محمد باقر نوبخت، أحد أعضاء الحملة الانتخابية لحسن روحاني، وأحد المرشحين المحتملين لتولي وزارة الاقتصاد في الحكومة المقبلة، أن الدولة ستعمل على قطع المساعدات النقدية المباشرة عن بعض المواطنين الأثرياء والمقدرة في مبلغ 455000 ريال. (تَصرِف الدولة الإيرانية في الوقت الراهن لكل فرد إيراني مبلغ 455000 ريالاً (ما يعادل14,35 دولاراً أمريكياً) شهرياً كمساعدة نقدية مباشرة في مقابل تحرير أسعار الطاقة). وفي حال تطبيق هذا القرار، سيثير ذلك مخاوف لدى قطاع كبير من المجتمع الإيراني من قطع مساعدات الدولة المباشرة بشكل تدريجي، مما سيكون له عواقب وخيمة على المعيش اليومي للمواطنين، وسيهدد السلم والاستقرار الاجتماعيين.
يبدو أن التخفيض من نسبة البطالة ونسبة التضخم، والرفع من قيمة العملة الإيرانية ستكون من أولويات الرئيس الجديد في السياسة الاقتصادية. وإذا لم ينجح في إيجاد حلول لهذه المعضلات الثلاثة فإن ثقة المصوتين سوف تهتزّ، والدعم الشعبي لسياسات حكومته سوف يفتر، وهذا ما يتمناه معارضوه في الجناح المحافظ.
*أستاذ اللغة الفارسية وآدابها في كلية الآداب بالجديدة، وباحث متخصص في الدراسات الإيرانية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحكومة الإيرانية الجديدة: إقصاء للإصلاحيين وتهميش للمرأة
الحكومة الإيرانية الجديدة: إقصاء للإصلاحيين وتهميش للمرأة
د.أحمد موسى*
الأحد 25 غشت 2013 - 09:00
منذ حوالي ثلاثة عقود والرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني منشغل بالعمل في المجلس الأعلى للأمن القومي أو في مركز الدراسات الإستراتيجية أو في تحديد الاستراتيجيات وكيفية إعمالها عن طريق وضع السياسات واتخاذ القرارات.
لكنه في الفترة الممتدة ما بين 14 يونيو إلى 4 غشت 2013 (فترة الانتخابات وحفل التنصيب وأداء اليمين الدستورية) لم يحرك ساكناً إثر غرق الإيرانيين المهاجرين في المياه الأسترالية والتركية، وكذلك لم يصدر ولو بلاغاً واحداً في حادث غرق 12 إيرانياً في بحيرة كارون. إضافة إلى هذا، فقد سجّل المراقبون للشأن الإيراني على الرئيس الجديد وقوعه في ثلاثة أو أربعة أخطاء إستراتيجية في تسمية وزراء حكومته.
إقصاء الإصلاحيين
دخل الشيخ حسن روحاني معترك الانتخابات الإيرانية وهو يدَّعي عدم انتمائه إلى أي من الأجنحة السياسية المعروفة في إيران. لكن هذا الادعاء كان ينبغي أن يبرهن على صدقه بتعيين وزراء مجربين ومحنكين في حكومته بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، إلاَّ أنَّ إقصاء وزراء بعينهم ممن اشتغلوا في حكومة محمد خاتمي السابقة (أحمد مسجد جامعي، وجعفر توفيقي، وعلي يونسي) بضغط من مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، بيّن بما لا يدع مجالا للشك، أن حكومته ليست خارجة عن إطار التيارات السياسية، بل أكثر من ذلك هي عبارة عن شركة تتقاسمها القوى المقرّبة من علي خامنئي وهاشمي رفسنجاني وناطق نوري وحسن روحاني نفسه.
وإذا تصورنا تشكيلة حكومات هؤلاء الأربعة سنجد أن حكومة روحاني نتاج مشترك للأربعة تضمن المصالح المتبادلة بينهم. لذلك لا ينبغي على الإصلاحيين الذين صوتوا لروحاني أن يُصدموا، لأن المتحدين مع روحاني فعلياً ليسوا خاتمي وموسوي وكروبي، بل هم رفسنجاني وناطق نوري. إن استسلام حسن روحاني في مقابل نفوذ مرشد الثورة الإيرانية إنما يوجه رسالة إلى الإصلاحيين مفادها أنه رجَّح معية خامنئي على مرافقة الإصلاحيين، ولم يُبْقِ باباً مفتوحاً للرجعة تحسباً ليوم تتقلب فيه الأمور. ولا يملك الإصلاحيون في مقابل هذا الموقف إلا أن يتركوه وخامنئي وحيداً.
عدم التعاون والتنسيق مع منافسيه في الانتخابات
كان يُنتظر من الرئيس الإيراني الجديد، وبالنظر إلى خطبه الكثيرة بعيد انتخابه حول التدبير والاهتمام بمطالب الطبقات المختلفة من الشعب، أن يخصص حصصاً في حكومته لمنافسيه في الانتخابات بقدر الأصوات التي حصلوا عليها، وخاصة أولئك الذين ساهموا في فوزه بالانتخابات. فشخصيات من أمثال محمد باقر قاليباف ومحسن رضائي وعلي أكبر ولايتي ومحمد رضا عارف كان بالإمكان أن يكون لهم موطئ قدم في حكومة روحاني.
قد يقول قائل أنه وعد قاليباف بتوليته وزارة السكنى، وولايتي بتوليته أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، وعارف بتعيينه نائباً له، ورضائي بتوليته وزارة الاقتصاد، لكن كل هذا لم يعد أن يكون مجرد إشاعات أو تحليلات المحللين والخبراء في الشأن الإيراني. لا يظهر للمتتبع وجود أي تناقض أو اختلاف بين آراء هؤلاء الأربعة وسياسات روحاني المعلنة، وهو في الأصل رجل تنفيذي وليست له أية أجندة إيديولوجية حتى يكون بينه وبين منافسيه في الانتخابات هذا التنافر البيّن.
إن عدم توجيه الدعوة لمحمد رضا عارف للمشاركة في الحكومة الجديدة -وهو الذي لولاه لما نجح روحاني في الانتخابات، في دورها الأول على الأقل، لأن الرجل انسحب من سباق الانتخابات لصالحه-، كان تغاضياً عن آراء الكثير من المصوتين لروحاني. كان يتعيّن على روحاني أن يأخذ العبرة من السلوك السياسي لأوباما الذي برهن لحكومته ولأعضاء الحزب الديمقراطي بدعوته هيلاري كلينتون (ألد منافسيه) وتوليتها منصب وزارة الخارجية، أنه يتمتع بروح التعاون والتنسيق مع المنافسين والخصوم.
تهميش العنصر النسوي
إذا كان أحمدي نجاد الذي اشتهر بالتغاضي عن الرأي العام وتهميش الخبرات، قد انتبه لضرورة ضم حكومته للعنصر النسوي، فإن حكومة روحاني والمتعاونين معه، والتي إلى حد كبير استكملت أركانها تفتقد إلى وجود ولو وزيرة واحدة. وهذا التوجه يدل على عدم أخذ مطالب الرأي العام الإيراني على محمل الجد، كما يدل على التنكّر للمرأة الإيرانية.
يبدو أن روحاني بعد جلوسه على كرسي الرئاسة يعتمد أكثر من اللازم على قدراته التفاوضية مع مرشد الثورة، ويثق في صلاته القديمة مع أعضاء الحكومات السابقة، ولا يعير أي اهتمام للحاجة إلى الدعم الشعبي الذي أتى به إلى سدة الحكم، والذي تشكل النساء نصفه. لكن حينما يصل ذلك اليوم الذي يتخلى فيه خامنئي عن روحاني ويتركه عالقاً في عنق الزجاجة كما فعل مع رؤساء الحكومات السابقة جميعهم، سوف يندم على عدم اعتماده على قدرة الشعب ودعمه إياه.
وحين يختلف خامنئي مع روحاني في قضية من القضايا سوف لن يجد هذا الأخير من يدعمه وينقذه، حينها سيبحث عن دعم الشعب، الشعب الذي تنكّر له، وهو نفس الخطأ الذي وقع فيه محمد خاتمي حينما كان يريد حل القضايا من مواقع عالية دون الرجوع إلى الشعب، آنذاك سوف لن يجد من يسند ظهره.
صرَّح خامنئي قبل الانتخابات أكثر من مرة أنه، كسائر أفراد الشعب، يملك صوتاً واحداً فقط، لكن لنلاحظ اليوم من يملك أكبر حصة في الحكومة ؟ هل هو خامنئي أم 38 مليون امرأة، هل هو خامنئي أم 7 إلى 9 ملايين إيراني سني المذهب، هل هو خامنئي أم عشرات الملايين من الأقليات العرقية، هل هو خامنئي أم مئات الآلاف من الإيرانيين المسيحيين واليهود والزردشتيين والبهائيين، هل هو خامنئي أم ملايين العلمانيين وغير المتدينين، هل هو خامنئي أم ملايين الشيعة المعارضين للحكومة ؟
إن انعدام التوازن هذا في كفة الحكومة سيجعل من روحاني صيداً سهلا في متناول أطماع خامنئي اللامتناهية، تماماً كما جعل ممن سبقوه من الرؤساء من أمثال رفسنجاني وخاتمي وأحمدي نجاد كذلك.
فقدان الاعتدال
كان "الاعتدال" من المفاهيم التي استخدمها حسن روحاني لإقصاء الإصلاحيين وفريق أحمدي نجاد. وهو نفس التصور الذي يقدمه هاشمي رفسنجاني للاعتدال منذ عقدين من الزمان. لهذا السبب حينما آن الأوان للتطبيق الإيجابي لهذا المفهوم المبهم في اختيار أعضاء الحكومة وتقديم برامجهم القطاعية تبخّر ولم يعد أحد يتحدّث عنه. تماما كما تبخر بسرعة مفهوم "العدالة" في التنصيب والعزل وشعارات محاربة الفساد خلال حكومة أحمدي نجاد، وتبخر أيضاً أمام تخفيض سعر القروض لفائدة المقربين منه. مفهوم الاعتدال عند روحاني سيلاقي نفس مصير مفهوم العدالة عند أحمدي نجاد بعد مرور شهور معدودة من عمر حكومته.
لو كان الاعتدال يتجسد في علي جنتي (نجل أحمد جنتي، والوزير المقترح لشغل وزارة الإرشاد الإسلامي)، وفي عباس آخوندي (صهر علي أكبر ناطق نوري، والوزير المقترح لشغل منصب وزير الطرق والمواصلات)، وفي محمد نهاونديان (مدير ديوان الرئيس)، هؤلاء الثلاثة من اللاعبين المحترفين للسياسة في العقود الثلاثة الأخيرة، واشتغلوا في حكومات كل من محمد خاتمي وهاشمي رفسنجاني وأحمدي نجاد، ولم يُسمع منهم قط حديث عن حقوق الشعب.
ولو كان الاعتدال يتجسد في عبد الرضا رحماني فضلي (من أفراد الأمن المقربين إلى علي لاريجاني، الوزير المقترح لوزاة الداخلية)، وفي مصطفى بور محمدي (من المتورطين في الإعدامات الجماعية في عقد الثمانينيات، ووزير الداخلية في حكومة أحمدي نجاد، وهو الوزير المقترح لشغل منصب وزير العدل)...لو كان الاعتدال والوسطية يتجسدان في أمثال هؤلاء المقترحين لوزارات حساسة ومهمة سوف لن يبقى مع روحاني أحد من أفراد الشعب، حتى أكثر المصوتين له تشاؤماً.
يبدو أن خصوصية "الاعتدال" فُسرت لدى بعض أعضاء حكومة روحاني ومعاونيه ب"البقاء في السلطة بأي ثمن" وإدارة الظهر للثوابت والمبادئ. بهذا التعريف للاعتدال يكون جميع الوزراء الذين تعاقبوا على حكومات مختلفة يندرجون في سلك الإعتداليين والوسطيين.
ومن الجدير بالذكر أن روحاني عيّن بعض الوزراء ممن كانوا شركاء في إخفاقات أحمدي نجاد وتبذير موارد الدولة الإيرانية ووقفوا فيما بعد في صف المنتقدين له.
هذه الأخطاء الإستراتيجية من شأنها أن تفقد روحاني جميع أوراقه في مقابل مرشد الثورة علي خامنئي. هذا الأخير الذي أبان في تعامله مع رفسنجاني وخاتمي وأحمدي نجاد أنه لا يجيد كثيراً اللعب في إطار القانون. فلو فقد روحاني أوراقه الرابحة سيتحول إلى قطعة نقدية أمام الشعب، وإلى ممثل يتلقى الضربات أو ممثل بديل يقوم بتمثيل المشاهد الخطيرة والمؤلمة نيابة عن البطل الحقيقي ولا يظهر في الفيلم أمام خامنئي. ولعل مصير محمد خاتمي اليوم هو درس مفيد لمن يعتبر، إذ لم تكلف الدولة نفسها حتى عناء دعوته للحضور في مراسم تسليم السلطة وأداء الرئيس الجديد لليمين الدستورية.
* أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لماذا تتناقض مواقف الجمهورية الإيرانية من الأزمة في مصر؟
لماذا تتناقض مواقف الجمهورية الإيرانية من الأزمة في مصر؟
د.أحمد موسى*
الثلاثاء 27 غشت 2013 - 08:00
تعيش إيران هذه الأيام على إيقاع الذكرى الستينية للانقلاب على الحكومة الوطنية بقيادة محمد مصدق، في عهد الشاه محمد رضا بهلوي. فيما تعيش مصر على تداعيات "الانقلاب العسكري" على الحكومة المنتخبة ديمقراطياً وشعبياً بقيادة محمد مرسي. وأنا إذ أستحضر مسار حكومة رئيس وزراء شاه إيران خلال عقد الخمسينيات من القرن الماضي ومآلها، أحاول مقارنة ذلك بالوضع في مصر اليوم، فأنتهي إلى أن نموذج محمد مصدق في إيران يشبه إلى حد كبير نموذج محمد مرسي في مصر، لذلك أضع أمام القارئ والمتتبع ما أثار انتباهي من تشابه، إن لم أقل تطابقاً، بين تجربة حكومة محمد مصدق في إيران وتجربة حكومة محمد مرسي في مصر، دون أن أصدر الأحكام أو أتبنّى هذه القراءة، فأنا أقدم مجرد تحليل، وللقارئ الكريم أن يقارن ويحكم...
خلال سنة 1941 تولى محمد رضا شاه عرش إيران خلفاً لأبيه، وواجه الملك الشاب الجديد مشكلات جمّة مع الجبهة الوطنية التي كانت تطالب دوماً، عبر محمد مصدق أحد رموزها، بعدة مطالب ديمقراطية، على رأسها تأميم النفط بصفة كاملة، وعدم إهدار ثروات الشعب لصالح الشركات الغربية، وعلى رأسها شركة النفط الانجليزية الإيرانية، الأمر الذي كان الشاه يرفضه بشدة، تحت ضغوط دولية. ومع اغتيال رئيس الوزراء المدعوم من الشاه والرافض للتأميم خلال شهر مارس سنة 1951 توالت أعمال الشغب والفوضى، واستمرت حتى شهر أبريل حيث تم اختيار محمد مصدق كرئيس للوزراء من البرلمان بأغلبية كبرى، ليقر عدة قوانين شعبية لصالح الفقراء، أبرزها ما كان ينادي به من تأميم النفط، وذلك في شهر ماي 1951. على إثر ذلك أصيبت بريطانيا بالجنون وفرضت حصاراً على إيران، واستمرت الاضطرابات مما اضطر الشاه لإعادة تنصيب محمد مصدق كرئيس للوزراء وسط تنازع سلطات كبير بينهما وذلك في يوليوز 1952. ومع محاولات الشاه عزل مصدق سادت الاضطرابات البلاد، لتنتهي بتدخل الجيش جزئياً وقفز شعبية مصدق للقمة، خاصةً مع قرارات تحجيم نفوذ الشاه ومصادرة أراضي الأسرة الملكية. فرّ الشاه في غشت 1953 إلى أوروبا خوفاً من تطورات الأمور مع توقيعه على قرار بعزل محمد مصدق وتولية فضل الله زاهدي، رجل المخابرات مكانه، وهنا تدخلت الولايات المتحدة بكامل قوتها. وقادت عملية (أجاكس) للإطاحة بمحمد مصدق، وكانت تقضي هذه العملية بتسخير مثيري الشغب والرعاع بخلق الفوضى وزعزعة الأمن وإثارة القلاقل، وإيهام الناس أن محمد مصدق السبب في ذلك وأن عهد الشاه أفضل. وقاد الكثير من الملالي عامة الناس للخروج في المظاهرات، وانتهى الأمر بعزل محمد مصدق، وعودة الشاه، والحكم بإعدام مصدق ثم التخفيف عنه لاحقاً، ليظل قيد الإقامة الجبرية إلى حين وفاته.
ولنا الآن أن نسجّل نقاط الاتفاق والتطابق بين الانقلابين في إيران ومصر :
1. تم الانقلاب في إيران على حكومة وطنية برئاسة رئيس وزراء وطني، وتم الانقلاب في مصر على حكومة وطنية بقيادة رئيس منتخب ديمقراطيا وشعبياً.
2. إثارة الفوضى والقلاقل وأعمال الشغب وتسيير المظاهرات المناهضة لمصدق قبيل تنفيذ الانقلاب العسكري في إيران، وإخراج المليونيات المعارضة لمرسي في مصر.
3. تدبير الانقلاب في إيران كان على يد المخابرات الأمريكية بالتوافق مع الجيش الإيراني وحاشية الشاه ورجال الدين، أما في مصر فالجهة التي دبرت الانقلاب هي المؤسسة العسكرية بالتوافق مع المؤسسة الدينية الرسمية وبعض الجهات المعارضة لحكم الإخوان.
4. عودة الشاه بعد الانقلاب على مصدق في إيران، وممارسة الحكم بقبضة حديدية مع الانتقام من رجالات مصدق عن طريق الاعتقالات والتصفيات والمحاكمات تحت ذرائع متعددة. نفس الشيء في مصر، عودة العسكر لإدارة دفة الأمور مع تفكيك الاعتصامات والقيام بالاعتقالات والتصفيات تحت مسميات وذرائع مختلفة.
5. القبض على محمد مصدق في إيران، والحكم عليه بالإعدام، ثم تخفيفه إلى الإقامة الجبرية حتى الموت، وفي مصر نفس المصير يلقاه الرئيس المعزول محمد مرسي، يتم سجنه في انتظار محاكمته، وربما تخفيف الحكم عنه، ومنعه من السفر وتجريده من حقوقه السياسية والوطنية، أي نفس مصير محمد مصدق.
6. في إيران قامت المخابرات الأمريكية بالقضاء على ثورة محمد مصدق، وتدبير ثورة مضادة، وإعادة النظام القديم، والقضاء على المسلسل الديمقراطي. أما في مصر يبدو أن الأمور تنحو نفس المنحى، مؤشرات ذلك التضييق على الحريات العامة، وفرض حالة الطوارئ، ومتابعة المعارضين للمؤسسة العسكرية، وما إطلاق سراح الرئيس الأسبق حسني مبارك، إلا مؤشراً واضحاً على نية الحكومة الجديدة للتأسيس لعودة النظام القديم.
لكن بالعودة إلى تقييم مواقف إيران من الأزمة في مصر، نلاحظ أن إيران تبنّت الثورة المصرية في البداية، وبعد تنحية حسني مبارك باركت إيران هذه الثورة، بل أكثر من ذلك صرّح خامنئي في خطبة جمعة بأن الثورة المصرية هي امتداد للثورة الإسلامية الإيرانية، وحاولت إيران ركوب الموجة وجني ثمار الثورة الجديدة، وفعلاً بدأت العلاقات الإيرانية المصرية تتبلور في العهد الجديد بعد أكثر من ثلاثين سنة من القطيعة، بتبادل زيارات رئيسي البلدين، وعقد اتفاقيات لتنشيط السياحة الإيرانية نحو مصر، وتجسد ذلك على أرض الواقع بقيام وفود سياحية إيرانية بزيارات إلى بلاد الكنانة. لكن ما عطّل مسار هذا التطبيع هو موقف مصر الداعم للثورة السورية التي تعتبرها طهران مؤامرة على نظام الممانعة الذي تؤيده بقوة. الشيء الذي أطفأ حماسة طهران نحو مصر وحوّلها إلى خيبة أمل تزامنت وزيارة الرئيس مرسي القصيرة لطهران للمشاركة في قمة دول عدم الانحياز وخطابه الحاد اللهجة.
بعد ذلك شهدنا تحولاً لافتاً في مواقف إيران من حكم الإخوان المسلمين، تجلى ذلك بالخصوص أثناء خروج التظاهرات المناهضة للرئيس مرسي في ميدان التحرير، حيث كانت إيران من خلال وسائل إعلامها ومواقعها غير الرسمية تنتقد الإخوان وتدعم هذه التظاهرات بمشاركة بعض المحسوبين عليها فيها. من ناحية أخرى كان كبار المسئولين في طهران لا يتورعون عن توجيه الانتقاد إلى الإخوان المسلمين وإلى الرئيس مرسي، بالتعامل مع أمريكا وتلقي المساعدات منها، والتنكّر للشعب المصري، الأمر الذي اعتبره الإخوان تدخلا في شؤون مصر الداخلية ورفضوه جملة وتفصيلاَ. ومؤخراً شاهدنا موقف إيران المتذبذب وغير الواضح من فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة وما أفرز ذلك من كوارث، بل إن إيران إلى اليوم لم تعتبر ما حصل انقلاباً عسكرياً، وتعاملت بكل براغماتية مع الأحداث. يمكن النظر إلى مواقف إيران من الأحداث في مصر من خلال زاويتين اثنتين: فمن جهة أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بياناً أعربت فيه عن قلقها من اعتقال النشطاء السياسيين وطالبت برجوع الهدوء إلى البلاد، دون أن يشير البيان من قريب أو بعيد إلى دور المؤسسة العسكرية المصرية ومسؤوليتها في ما يجري. أما من ناحية ثانية يستوقفنا موقف إمام صلاة الجمعة السيد أحمد خاتمي، والتي تعتبر مواقفه معبرة عن المواقف الرسمية للجمهورية الإسلامية، فتصريحات هذا الأخير تبرز ارتياحه لتدخل الجيش وعزل مرسي. فعلى حد تعبيره، "أن الإخوان لم يكن لهم تعامل لائق مع إيران، وأثاروا مخاوف الشيعة"، وأضاف أن "الرئيس المصري محمد مرسي كانت له لقاءات ومشاورات مع أوباما الشيء الذي جرّ عليه غضب الشعب".
إن سكوت إيران عن تدخل الجيش في الحياة السياسية هو تزكية للانقلاب العسكري، في انتظار ما ستفرز عنه المرحلة المقبلة من متغيّرات، وإيران لا تخفي أملها وتفاؤلها في عودة نظام سياسي يأتي بشخصيات لها صلات جيدة بإيران، من أمثال محمد البرادعي المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية، الذي تربطه علاقات طيبة مع الرئيس الحالي لإيران حسن روحاني منذ السنوات التي كان يترأس فيها هذا الأخير فريق المفاوضين في الملف النووي، متأملة أن تكون بداية مرحلة جديدة في علاقات البلدين.
* أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحف إيرانية: طهران تدعم سوريا "المظلومة" حتى النهاية
صحف إيرانية: طهران تدعم سوريا "المظلومة" حتى النهاية
إعداد: د. أحمد موسى*
السبت 07 شتنبر 2013 - 07:15
روحاني وضرب سوريا
نبدأ جولة في قراءة عدد من الصحف الإيرانية، ليومي الخميس والجمعة، من صحيفة "بهار" التي أوردت خبراً مفاده أن الشيخ حسن روحاني، الرئيس الإيراني وممثل مدينة طهران في مجلس خبراء القيادة صرح خلال هذا المجلس قائلاً "إذا تعرضت سورية لمشاكل من جراء الضربة العسكرية المحتملة، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستؤدي واجبها الديني والإنساني تجاهها، وستقدم للشعب السوري المواد الغذائية والمستلزمات الطبية اللازمة".
ويعتبر مجلس خبراء القيادة الإيرانية هيئة أساسية في النظام الإيراني، عهد إليه الدستور مهمة تعيين وعزل قائد الثورة الإسلامية في إيران ، ويتألف هذا المجلس حالياً من 86 عضواً.
وأضاف روحاني أن "إيران بذلت ومازالت تبذل مساعيها الإنسانية إزاء الشعب السوري، وأوفت ومازالت توفي بتعهداتها تجاه الاستقرار في المنطقة". وفي معرض إشارته إلى أن اشتعال فتيل الحرب في سورية ستطال نيرانها المنطقة بأكملها، قال "تَعتبِر الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن أيَّ إجراء ضد سورية سوف لن يكون مضراً للمنطقة فقط، بل ستطال تبعاته السلبية أيضاً أصدقاء أمريكا، ونعتقد أن هذا التحرك ليس في مصلحة أي طرف".
دعم سورية "المظلومة"
أما صحيفة "جوان"، المقربة من الحرس الثوري الإيراني، فقد أوردت أن قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قال في كلمة له أن "أمريكا لا تسعى إلى إقرار الديمقراطية في مصر، ولا تهتم لحقوق الإنسان في سورية، وليست قلقة بشأن الملف النووي الإيراني، لكن هدفها الأساسي هو كسر شوكة المقاومة، ونحن سندعم سورية حتى النهاية".
وحسب تقرير هذه الجريدة، أشار قاسم سليماني إلى النقد الذي يوجهه البعض لإيران بسبب دعمها لنظام سورية قائلاً "نحن لا نكترث لدعاية العدو، لأن سورية هي الخط الأمامي للمقاومة، وهذا واقع لا يمكن إنكاره. وواجبنا يقتضي الدفاع عن المسلمين لأنهم يتعرضون للضغط والظلم".
وأضافت هذه الصحيفة على لسان سليماني أيضاً: "بعد سقوط القذافي استثمرت إحدى الدول الخليجية أربعة ملايير دولار في ليبيا لتقطع الطريق على نفوذ إيران هناك. وبعض الدول في الخليج أصيبت بإيران فوبيا، وإلى الآن أنفقت قطر في سورية 12 مليار دولار. لكن يجب القول أنه رغم هذه التمويلات فإن إيران تحظى بمكانة جيدة بين الدول الإسلامية".
زيارة روحاني لأمريكا
أما جريدة "كيهان" فقد نقلت عن وزير الخارجية الإيراني الانتهاء من اختيار الأعضاء الجدد في فريق المفاوضين في الملف النووي الإيراني، كما أوردت هذه الجريدة نقلاً عن محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني، أن سفر الرئيس الإيراني إلى نيويورك بات مؤكداً، ومن المنتظر أن يشارك حسن روحاني في الجمعية العمومية للأمم المتحدة. 
وأفصح وزير الخارجية عن برنامج الرئيس المتوقع قائلاً "أنه سيلقي خطاباً في الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما سيلقي كلمة في هيئة نزع السلاح النووي بصفته رئيساً لمنظمة عدم الانحياز، وسيخطب أيضاً في اجتماع وزراء خارجية دول عدم الانحياز".
ونقرأ في الصفحة الأولى لجريدة "اعتماد" بالبند العريض تصريحاً لروحاني يقول فيه "لا يجب تسييس مطالب الشباب". ذات الصحيفة نقلت عن الرئيس الإيراني قوله أن "الانكماش الاقتصادي وزيادة معدل التضخم يعتبران أكبر عائق في طريق النمو، وتعافي الاقتصاد الوطني، كما أن مشكل التشغيل وازدياد نسبة البطالة في صفوف حاملي الشهادات من المشاكل التي تؤرق الدولة.
وأردفت الصحيفة نقلاً عن روحاني "إن تقوية الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط هي شوكة زرعها الغرب في خاصر المنطقة، لذلك فإن محاربة الإرهاب والوقوف في وجه التدخلات الأجنبية في المنطقة جزء من برنامج هذه الحكومة".
مشروع المالكي
وبالانتقال إلى جريدة "إيران" نقرأ خبراً يفيد أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي طرح مؤخراً مشروعاً من ثمانية مواد لحل الأزمة السورية، فحسب هذه الصحيفة يتضمن هذا المشروع الإقرار الفوري لوقف إطلاق النار في جميع مناطق سورية، ورفض التدخل الأجنبي، ورفض العمليات العسكرية المرتقبة، ووقف كل المساعدات المالية ووقف تسليح جميع أطراف الصراع، وإخراج المسلّحين الأجانب من التراب السوري، واستمرار لجان التحقيق الأممية في إجراء تحقيقاتها المحايدة بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية.
وينص مشروع المالكي، وفق الصحيفة ذاتها، على أخذ تعهد من الدول العربية وغيرها بشأن عدم مشاركتها في الحرب على سوريا بأي شكل من الأشكال، وتشكيل العرب لصندوق تُخصص اعتماداته لعودة اللاجئين وإعادة إعمار سورية، وإجبار النظام السوري والمعارضة على الجلوس على طاولة الحوار، وفق إطار زمني محدد تحت إشراف العرب والمنتظم الدولي لوضع خارطة طريق لإجراء انتخابات حرة ونزيهة بمراقبة من الجامعة العربية والأمم المتحدة، وضمان نقل سلمي للسلطة.
رابط المقال في جريدة هسبريس : http://hespress.com/international/88277.html
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إيران تتشبث بالطاقة النووية رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة
إيران تتشبث بالطاقة النووية رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة
د. أحمد موسى
الأحد 15 شتنبر 2013 - 06:00
أكد الرئيس الإيراني حسن روحاني يوم الثلاثاء الفائت، أن حكومته لن تتنازل بأي شكل من الأشكال عن حقوق الشعب الإيراني في الحصول على الطاقة النووية خلال المفاوضات التي ستجريها حكومته مع القوى الغربية، بالرغم من أنها ستستعمل -حسب تعبيره- لغة "الأدب والتدبير" في جلسات الحوار والتفاوض.
ونقلاً عن وكالة الأنباء الإيرانية [مهر]، فقد أشار حسن روحاني، الذي كان يتحدث إلى جمع من رجال الدين، إلى مفاوضات إيران حول الملف النووي مع مجموعة 5+1 قائلاً : "ينبغي على العدو أن يفهم لغة الحكومة وهي لغة التدبير، ولغة الشعب وهي لغة الأدب الممزوجة بلغة المقاومة والصمود، لذلك يجب أن يستوعب أن توجيه الكلام إلينا بلغة غير لغة الاحترام والتكريم، غير مجد". وحسب روحاني فإنه من المحتمل أن تشهد نيويورك التي ستحتضن اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة، أول اجتماع للمفاوضات حول الملف النووي الإيراني مع القوى الغربية. وهو الذي وجّه للغرب رسالة واضحة أكد فيها "أن على الغرب أن يدرك أولاً، أنه لن يصل إلى نتيجة عبر التهديد وممارسة الضغوط، لذلك ينبغي للمفاوضات أن تسير على أسسٍ من الاحترام والمصالح المشتركة والمواقف المتوازنة".
وكان حسن روحاني قد أكد غير ما مرة على ضرورة إيجاد حل للملف النووي بما يفضي إلى إلغاء العقوبات الاقتصادية التي أصابت إيران بالشلل، وكانت كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا ترحب بالفكرة.
لكن مع ذلك يبدو أن التصريحات الأخيرة للمندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة تدل على أن الإدارة الأمريكية مازالت غير مقتنعة بأن كلام الرئيس الإيراني له مصداق على أرض الواقع. أو كما عبّرت سامانتا باور نفسها : "ليس هناك أية إشارة تدل على رغبة طهران في حل المشكلة النووية وتبديد قلق المنتظم الدولي بهذا الخصوص".
من ناحية أخرى فقد صادق الكونغرس الأمريكي على مشروع تشديد العقوبات على إيران، الذي ينتظر فقط توقيع باراك أوباما ليدخل حيز التنفيذ، وهو مشروع يقال أنه يتضمن عقوبات أكثر قسوة، وفي حال تطبيقه ستصاب إيران بالسكتة القلبية.
لكن في المقابل يعلن حسن روحاني اليوم أن حكومته ستعمل بكل جد وحكمة كي تجد حلا منطقياً لهذا الملف يضمن العزة لإيران. وأنها (أي حكومته) سوف لن تتنازل قيد أنملة عن حق شعبها في امتلاك التقنية النووية.
هل تنجح إيران في تفادي الإفلاس في ظل الأزمة الخانقة؟
علاقة بالملف الاقتصادي الشائك أكد الرئيس الإيراني على هشاشة الوضع الاقتصادي لبلده بقوله أن الحكومة "تعيش في ظل ظروف جد صعبة". فحسب قوله فإن 80 ألف مليار تومان (25 مليار دولار) وضعتها الحكومة السابقة في ميزانية هذه السنة "وهي مجرد أرقام وغير قابلة للتحقق"، ولذلك فإن ميزانية هذه السنة ستبلغ في أحسن الأحوال 130 ألف مليار تومان (أكثر من 40 مليار دولار) وليس 210 مليار تومان (أكثر من 65 مليار دولار) كما تصورت حكومة أحمدي نجاد السابقة.
وكانت حكومة حسن روحاني قد طالبت في وقت سابق البرلمان بإصلاح قانون ميزانية السنة الجارية، إلا أن هذا الأخير لم ير في التصويت لفائدة هذا الطلب أمراً استعجالياً.
وأكد حسن روحاني أيضاً في كلمته على أن "النمو الاقتصادي الإيراني سلبي"، هذا في الوقت الذي كان فيه الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد لا يتورع عن التصريح بأن النمو الاقتصادي للبلد هو في وضع مطمئن.
وأردف الرئيس الإيراني في ذات الكلمة قائلاً : "حينما نعلن أن وضع النمو الاقتصادي سلبي، هذا يعني أن الدولة تعيش ركوداً، إذ يقل الإنتاج وترتفع الأسعار وتزداد الحاجة إلى الواردات، وهذا كله في ظل ظروف العقوبات الغربية القاسية".
تشكل العقوبات المفروضة على إيران بسبب ملفها النووي عاملاً مؤثراً في الاختلال الذي يشهده الاقتصاد الإيراني، وهذا بتأكيد واعتراف من المسئولين الإيرانيين أنفسهم وفي غير ما مناسبة. وقد استهدفت العقوبات بالدرجة الأولى قطاع النفط الذي يشكّل مصدر الدخل الأول في إيران، مما خلق صعوبات جمّة في تصديره، وبالتالي أعاق تأمين الموارد المالية اللازمة للدولة.
أعلنت حكومة الرئيس حسن روحاني أنها ستقدّم للرأي العام الإيراني نتائج تقييمها للوضعية الاقتصادية خلال المائة يوم الأولى من تنصيبها. فهل ستعلن الحكومة في حال استمرار الأزمة الاقتصادية الخانقة الراهنة عن إفلاسها ؟
يسجل المتتبعون للشأن الإيراني والخبراء الاقتصاديون وجود العديد من مؤشرات الإفلاس في الحكومة الإيرانية، ويحددونها في : عجز الميزانية، وتعليق المشاريع، وانعدام السيولة، وارتفاع المديونية، وتهالك المدخرات، وعدم الإيفاء بالالتزامات، والبطالة وغيرها، وأكتفي هنا بالإشارة إلى المؤشرات التالية :
عجز الميزانية الملفت للنظر : إذ لا تتناسب مداخيل الحكومة الإيرانية مع مصاريفها، فهناك عجز كبير في الميزانية، ونقص فاحش في العملة الصعبة، وصعوبة في جلب الواردات، وخلل في توزيع المساعدات، أضف إلى ذلك نسبة التضخم الكبيرة حيث تحتل إيران الرتبة الثالثة عالمياً، وكذلك توقف الوحدات الإنتاجية عن الإنتاج، وانتشار الفساد، إذ تُصنّف إيران واحدة من الدول العشرة في العالم من حيث استشراء الفساد المالي، ثم لا يجب نسيان الميزانية الضخمة التي تنفقها الدولة الإيرانية على الحرب في سورية، وكذا الأموال التي تستثمرها في شراء ولاء المجموعات التابعة لها في مختلف بلدان العالم، وباعتقاد بعض المحللين الاقتصاديين الإيرانيين فإن هذه العوامل مجتمعة ستؤدي لا محالة بالحكومة والمجتمع الإيرانيين إلى حافة الإفلاس. وما نموذج الاتحاد السوفيتي السابق ببعيد، حيث انهار بعد إفلاسه.
تعاني ميزانية الدولة الإيرانية من عجز في تسديد المساعدات الاجتماعية يقدر بـ14 ألف مليار تومان (ما يقارب خمسة ملايير دولار). وفي السنة الماضية سجلت الميزانية عجزاً إجمالياً قدر بـ 50 ألف مليار تومان (أكثر من 15 مليار دولار). فيما صرّح المدير المساعد للميزانية والتخطيط في حكومة أحمدي نجاد السابقة نقلاً عن وكالة الأنباء (ايسنا) بتاريخ 23 غشت "أن ثلث ميزانية هذه السنة غير واقعي وينبغي إصلاحه لتنزل مداخيل الدولة من 210 ألف مليار إلى 130 ألف مليار"، لذلك نفدت أرصدة الدولة الخاصة بالمساعدات الاجتماعية، كما أن إيران لم تسدد أقساط ديونها للبنك الدولي منذ عدة شهور.
المشاريع غير المكتملة : تفننت حكومة أحمدي نجاد السابقة في إطلاق العديد من المشاريع لإرضاء الجميع، لكن أكثرها إما لم يكتمل أو دُشن ناقصاً. وفي نهاية ولاية أحمدي نجاد بقيت الآلاف من المشاريع التي خُصصت لها أرصدة مالية مهمة ناقصة، بحسب ما جاء في التلفزيون الإيراني (جام جم) شهر غشت المنصرم. وحسب تقرير مركز دراسات البرلمان لم يتحقق من مشاريع حكومة أحمدي نجاد إلا نسبة 28 في المائة.
نفاد السيولة من الخزينة : أفادت صحيفة (قانون) بتاريخ 7 يوليوز أن وزير الفلاحة في حكومتي رفسنجاني وخاتمي السابقتين وأحد مستشاري الرئيس روحاني صرّح بأن خزينة الدولة فارغة وكذلك المخازن. وتأكيداً لهذا التصريح جاء في تقرير لرئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني المنشور في الموقع الخبري التحليلي (پارسینه) بتاریخ 23 ماي : "نفدت السيولة، وحتى لو تبقت لا يمكن نقلها إلى الداخل. أما الأموال الخارجية فلحسن الحظ نقلناها إلى الصين، وحولتها هي الأخرى إلى العملة الصينية (اليوان) مقابل عمولة، وقالوا فيما بعد أنهم لن يرجعوا الأموال بل سيعطوننا إزاءها بضائع، وليس أية بضائع، إنما البضائع التي يحددونها هم. وجاءت الهند واشترت نفطنا بأسعار زهيدة، لكنها غير مستعدة لتسديد ثمنه ولو بالروبية (عملة الهند). كان هذا تقرير كل من وزير التجارة والمدير العام للبنك المركزي في إحدى جلسات المجمع الصعبة".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرشد إيران يعطي الضوء الأخضر للحكومة من أجل التفاوض مع الغرب
مرشد إيران يعطي الضوء الأخضر للحكومة من أجل التفاوض مع الغرب
د. أحمد موسى
الثلاثاء 24 شتنبر 2013 - 08:10
تلعب المتغيرات السياسية دوراً مهماً في الوضع الحالي الذي تعيشه إيران. فمن الناحية الداخلية أرخت السياسة بظلالها القاتمة على جميع مناحي الحياة، وكما يعتقد العديد من الخبراء فأنه بدون حلٍّ لمعضلة السياسة لن ينفتح قفل الاقتصاد والثقافة والمجتمع، لأن كل القطاعات وقعت أسيرة لسياسات غير صحيحة.
تباشر الحكومة الجديدة اليوم مهامها في وقت تعيش فيه إيران أشد العقوبات الاقتصادية قسوة في تاريخها. ويرى أكثر المتتبعين للشأن الإيراني أنه بدون حل القضايا العالقة بين إيران والغرب بقيادة أمريكا، فإن العقد الأساسية للمجتمع الإيراني لن تعرف حلا، لأن العقوبات الحالية من شأنها تقويض المجتمع الإيراني من الداخل، فما بالك بمضاعفتها كما يلوّح بذلك المسئولون الأمريكيون في أكثر من مناسبة.
إحدى الوعود التي قدمها الرئيس حسن روحاني إبان حملته الانتخابية إجراء المفاوضات مع الدول الغربية وأمريكا لحل القضايا العالقة، وخاصة مسألة إلغاء العقوبات الاقتصادية التي أصابت إيران بالشلل. وقد لاحظنا كيف استقبل الغرب ظفر روحاني بكرسي الرئاسة بارتياح، ما أضفى نوعاً من التفاؤل لحل المشاكل بين إيران والغرب.
من ناحية أخرى رحّب قائد الثورة الإيرانية ورأس هرم السلطة المرشد علي خامنئي في اللقاء الذي جمعه قبل أيام قليلة، بقادة الحرس الثوري بما أسماها "التحركات الدبلوماسية الصحيحة"، وقال : "أنا لست معارضاً للتحركات الدبلوماسية الصحيحة، بل أعتقد بما سُمِّي قديماً بـ (انعطافة بطولية)".
يشير خامنئي بـ"الانعطافة البطولية" إلى الصلح الذي عقده الحسن بن علي رضي الله عنهما مع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في حرب صفّين والتي انتهى بتنازل الحسن عن الخلافة لصالح معاوية حفاظاً على بيضة الإسلام وحقناً لدماء المسلمين. والحسن بن علي هو الإمام الثالث المعصوم لدى الشيعة الاثنا عشرية، ومسألة القول بعصمة الإمام تتناقض مع القول بأنه أخطأ حينما تنازل عن الخلافة لمعاوية، لذلك فسّر أصحاب المذهب هذا التصرف بأنه "انعطافة بطل"، في حين سُمّي العام الذي وقع فيها الصلح عند أهل السنة، عام "السنة والجماعة".
وحسب وكالة الأنباء "ايسنا" قال مرشد الجمهورية الإسلامية عن الأنشطة السياسية للحرس الثوري : ليس من الضرورة أن ينخرط الحرس في المجال السياسي، لكن الدفاع عن الثورة يستلزم معرفة دقيقة للأحداث، لذلك لا يمكن أن تغمض هذه المجموعة التي تعتبر اليد الحارسة للثورة عينها وتغض الطرف عن التيارات السياسية المختلفة، سواء منها المنحرفة أو غير المنحرفة، أو المرتبطة، أو باقي التيارات السياسية".
يأتي كلام المرشد هذا في وقت صرّح فيه الرئيس حسن روحاني بضرورة عدم تدخل الحرس الثوري في الحياة السياسية للبلاد.
وفي إشارة منه لتحديات نظام الجمهورية الإسلامية مع القوي الغربية قال مرشد الثورة الإيرانية : "موضوع الطاقة النووية يجب أن يعالج هو الآخر وفق هذه الرؤية".
وأضاف قائلاً : "نحن نرفض الأسلحة النووية، وهذا هو اعتقادنا الراسخ، ولا نصرح بذلك بسبب أمريكا أو غير أمريكا. وحينما نقول أنه لا يجب لأي كان أن يمتلك السلاح النووي، فنحن بالتأكيد لا نسعى وراء ذلك، لكن المعارضين لإيران بهذا الخصوص لهم أهداف أخرى.
وأردف خامنئي قائلاً : "هذه الدول المعدودة على رؤوس الأصابع لا تريد قطعاً أن يكسر أحد احتكارها لمجال الطاقة النووية، لكنهم لا يتحدثون عن ذلك. لذلك ينبغي أن يُفسّر ويفهم الجدل الذي يثيره الأمريكيون والغرب وأتباعهم حول موضوع النووي في إطار التحدي الكبير لنظام الثورة الإسلامية".
وإشارة منه إلى تعقيدات العمل الدبلوماسي قال خامنئي مؤكداً على ما سبق : "المجال الدبلوماسي هو ميدان لتبادل الابتسامات وطلب الحوار، وإجرائه، لكن كل ذلك يجب تفسيره في إطار التحديات الأساسية التي تواجه إيران".
وقد أبدى مرشد الثورة الإيرانية موافقته للتحركات التي وصفها بـ (الصحيحة والمنطقية) في السياسات الخارجية والداخلية لإيران، وقال في هذا الصدد : "أنا موافق على موضوع "الانعطافة البطولية" التي قرأت عنها قديماً في التاريخ، لأن هذه الحركة جد مناسبة وضرورية في بعض الأوقات، لكن مع الالتزام بشرط أساسي.
وحدّد الشرط الأساسي لاستعمال تكتيك "الانعطافة البطولية" في إدراك ماهية الجانب المقابل وفهم أهدافه فهماً صحيحاً، وقال : "المصارع الماهر يبدي بعض الأحيان، ولأسباب فنية، بعض الليونة، لكنه لا ينسى من يكون خصمه وما هدفه الرئيس".
وأشار السيد خامنئي إلى الفرق الشاسع جداً بين وضع إيران الراهن من الناحية العلمية والعسكرية والإدارية والاقتصادية وباقي المناحي، والوضع الذي كانت عليه إيران إبان انتصار الثورة الإسلامية، فقال : كل هذا التقدم حصل رغم ضغوط ومؤامرات الأعداء، وهذه التجربة الثمينة تبرز أن لا أحد بمقدوره الوقوف في طريق الشعب المؤمن والمنسجم والمسلح بالإرادة، والذي يعرف طريقه جيداً". وتابع القول : إن الخسائر التي تكبدها العالم الإسلامي في الأحداث الأخيرة في المنطقة سببها أن البعض ضل الطريق، لكن الوضع سيتغيّر".

http://hespress.com/international/89590.html

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العلاقات بين إيران وأمريكا: فاكهة خامنئي المحرمة
العلاقات بين إيران وأمريكا: فاكهة خامنئي المحرمة
د/ أحمد موسى
الخميس 10 أكتوبر 2013 - 06:15
لفهم العلاقات الإيرانية الأمريكية، أو بتعبير أصح، لنقل لفهم انعدام العلاقة بين البلدين في عهد قيادة آية الله علي خامنئي للجمهورية الإسلامية في إيران، يمكن الإشارة إلى أربعة عوامل : الموانع البنيوية لوجود مثل هذه العلاقات. أسباب معارضة خامنئي الشديدة لنسج مثل هذه الصلات، والمستمرة منذ 24 سنة إلى حكومة حسن روحاني الحالية. أسباب تغيير موقفه بعد الانتخابات الأخيرة. والمسار الذي سيسلكه هذا التغيير في النظرة الإيرانية للعلاقات مع أمريكا.
الموانع البنيوية :
شكّل آية الله علي خامنئي عقبة كأداء في وجه ربط العلاقات بين إيران وأمريكا طيلة فترة قيادته للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وكل من كان سيخلف الإمام الخميني على رأس قيادة هذه الجمهورية غيره، ما كان بوسعه استساغة العلاقات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية بكل بساطة. وقد كان رفسنجاني في ولايته الرئاسية الأولى أراد ذلك، لكنه لم يتمكن من تحقيقه.
ينطوي هذا العجز على ثلاثة أسباب :
1/ بَسْطُ رجال الدين (الملالي) لنفوذهم في الدولة والمجتمع عن طريق سحب بساط "مقاومة الامبريالية" من تحت أقدام القوى السياسية المناهضة لهم، وخاصة القوى الماركسية ومنظمة "مجاهدي خلق". لقد قدّم طلاب "خط الإمام" في بداية الثورة هدية للملالي لم يكونوا يتوقعونها، فقد حوّلوا الخميني إلى قائد المقاومة ضد الولايات المتحدة الأمريكية، لدرجة أن جميع الماركسيين المناوئين له لم يجدوا بداً من تمجيده والثناء عليه. واستطاع الخميني بهذا السلاح أن يزيح هذه القوى من طريقه بالتدريج، ليخلو له المجال لإقامة حكومته الدينية، إذ ليس من السهل التخلص من المقاومة التي تدر على الحكومة كل هذا الربح.
2/ طوال الحرب الإيرانية العراقية التي دامت ثمان سنوات، كانت أمريكا والدول الأوروبية ودول الخليج العربي تربطها علاقات جيدة بالعراق. كما أن إسقاط الطائرة الإيرانية المدنية من طرف الأسطول الأمريكي في مياه الخليج زاد الطينة بلة. لذلك كان من الصعب على الإيرانيين أن يسارعوا الخطى في نسج العلاقات بينهم وبين الدول الداعمة لعدوهم.
3/ تيار الواقعية الذي كان ينساب من عباءة آية الله الخميني بالتدريج، لم يكن قادراً بعد على كسب تحدي مناهضة الغرب. ومع انهيار المعسكر الشرقي المتمثل في الاتحاد السوفيتي لم يعد من طرف تناصبه إيران العداء إلا الغرب.
أسباب معارضة خامنئي :
كان للولي الفقيه آية الله علي خامنئي أسبابه الخاصة في معارضة أي تقارب مع الولايات المتحدة :
1/ نظرته التشاؤمية إلى الغرب، فهو من هذا الحيث يعتبر تلميذاً مخلصاً لسيد قطب الذي لا يرى في الغرب غير فساد الأخلاق والخبث والسواد. فتصور خامنئي عن الغرب لخّصه نفسه في عبارة قصيرة يصف فيها الغرب بالانغماس في "الحياة المادية، والشهوانية، والرذيلة، وتدمير الهوية، واللاروحانية" [صحيفة كيهان 14 أكتوبر 2012]. يصل تشاؤم خامنئي من الغرب إلى حد العنصرية، حينما يصرّح بأن "الغربيين، وخاصة الأوروبيين، هم من أصل متوحش، فظاهرهم أنيق، ولباسهم مرتب ومعطّر، لكن باطنهم متوحش، يقتلون الناس بكل أريحية نفس، ويقترفون الجرائم بكل برودة دم" [الموقع الرسمي لخامنئي، في لقاء مع عدد من النساء، 11 ماي 2013]. فهو يرى أن ربط الصلة مع الغرب جالبة للمفسدة بكل تأكيد.
2/ ولاية الفقيه التي أقرها خامنئي لنفسه رغم معارضة تيارات عريضة من رجال الدين الشيعة، تضفي عليه صفة ولي أمر كل المسلمين، ومن يريد أن يعبئ مسلمي العالم ضد أمريكا والغرب، لا يستطيع أن يتقاسم مع قادتهم طاولة الحوار ويلتقط الصور التذكارية وهو يصافحهم. لذلك فهو يصرّح : "أولئك الذين يتصورون أننا يجب أن نتفاوض مع رأس الاستكبار-أمريكا- إما أنهم مغفّلون، أو أنهم متوجسون" [2 ماي 1990]. وحتى بعد مرور 23 سنة من قيادته لإيران، واقتناعه بمصلحة نظامه في الجلوس على طاولة الحوار مع أمريكا، فهو يحول دون اللقاء المباشر بين روحاني وأوباما، ويجبر روحاني على القبول بحوار هاتفي.
3/ الحاجة الملحة إلى قطع العلاقة بهدف تبرير نظرية المؤامرة. فخامنئي بدون الضرب على وتر نظرية المؤامرات الغربية لا يستطيع إلقاء ولو خطاب واحد في السياسة الخارجية. والمسكون بهذه النظرية لا يستطيع أن يرد مع عدوه المتوهَّم مورد الصداقة. فهو يرى تحت القفازات الأمريكية الناعمة أياد حديدية.
4/ خامنئي الذي استخلص الدروس والعبر من تجربة مك فارلين في عهد الخميني (وهي معاهدة إيران- كونترا، وتعرف أيضا بفضيحة إيران جيت، أثناء حرب الخليج الأولى في سنة 1986، عقدت إدارة الرئيس الأمريكي حينها رونالد ريغان اتفاقاً سرياً مع إيران لتزويدها بالأسلحة بسبب حاجة إيران الماسة لأنواع متطورة منها في حربها مع العراق. وهذا التعامل في السر بين الطرفين، والاستمرار في إظهار العداء في العلن، جرّ على البلدين الذم والاستهجان)، لا يريد أن يجعل نفسه محط سخرية في الساحة الدولية. لذلك أقفل أبواب الحوار المباشر مع أمريكا لحل القضايا الثنائية طيلة 23 سنة الماضية، باستثناء في بعض القضايا التي تهم أفغانستان والعراق.
لماذا غيّر خامنئي موقفه من العلاقات مع أمريكا (انعطافة بطولية):
ظل آية الله خامنئي إلى حدود الأيام الأخيرة في ولاية أحمدي نجاد يعزف على وتر اقتصاد المقاومة والصمود في مقابل التسوية. وقد دخل مرشحه المفضل وأمين مجلس أمنه القومي، سعيد جليلي، معترك الانتخابات الرئاسية رافعاً نفس الشعار. لكن من بين المرشحين المختارين بعناية من طرف مجلس صيانة الدستور، أعطى الناس أصواتهم لمن كان ينتقد السياسة النووية لخامنئي. من ناحية أخرى قوّضت العقوبات الاقتصادية خزائن الدولة. وهكذا لم يعد ممكناً إتِّباع سياسة الصراع والعداوة وتحمّل الحصار الاقتصادي حتى النهاية. فلم يجد آية الله خامنئي مناصاً من التسليم بالحوار مع (الشيطان الأكبر) وإظهار المرونة للغرب.
أما بخصوص الانعطافة البطولية فهناك نظرتان. النظرة التي ترى أن هذه الليونة هي قضية إستراتيجية بالنسبة لإيران. لذلك فخامنئي وحكومة روحاني جادّون في التقارب والتفاوض مع أمريكا والغرب، لأنهم يسعون لرفع العقوبات الاقتصادية، والسبيل إلى ذلك هو المصالحة. والنظرة الثانية تذهب إلى أن هذا التقارب ما هو إلا تكتيك إيراني لتخفيف العقوبات وتزيين صورة النظام التي خدشها أحمدي نجاد خلال ثمان سنوات من حكمه. وعلى أساس هذه الرؤية فمن الممكن أن تتوقف بعض الأنشطة النووية في الظاهر، لكنها ستستمر في الخفاء. لأن آية الله خامنئي من الناحية الإستراتيجية غير راض ولا مقتنع بتغيير السياسة النووية.
الكل يدرك أن تغيير بوصلة السياسة الخارجية في إيران هو بيد خامنئي، لكن ما حدث يدل على أن هذا الأخير لا يريد أن يحسب عليه هذا التغيير الحاصل الآن. لهذا السبب سيظل موضوع التصريح بإجراء حوار بين أوباما وروحاني مبهماً، وحتى لو تم التنسيق بين الرئيس وقائده بهذا الخصوص –ومن المؤكد أن هذا ما حصل- فإن روحاني سيبقي الأمر طي الكتمان.
استشراف المستقبل :
لأسباب متعددة، وبسبب تضييع الوقت من طرف إيران، فإن مسار المفاوضات ليس واضحاً. ورغم أن تشاؤم آية الله خامنئي باق، إلا أن الموانع البنيوية للعلاقات مع الغرب رُفعت، فمقاومة الامبريالية بالنسبة للجيل الجديد هي مجرد مزحة، والحرب ذهبت أدراج الرياح، وأكثر المسؤولين الحاليين واقعيون. وهكذا، وفي حال استمرار البرنامج النووي الإيراني، فهناك ثلاثة سيناريوهات متصوّرة للعلاقات بين أمريكا وإيران :
ألف/ سيناريو كوريا الشمالية، لو اتُّبع هذا السيناريو ستذهب إيران، تحت الضغط، للتفاوض وستقدم تنازلات في ملفها النووي، لكن البرنامج سيتمر في السر. هذا السيناريو يمكن أن ينتهي ببعض الانفراجات، لكن سيؤدي على المدى الطويل إلى عزلة إيران الدولية وتفقير الشعب الإيراني. والعلاقات مع أمريكا ستسوء أكثر.
ب/ سيناريو الصين، إذ تأمل إيران أن يتقبل الغرب برنامجها النووي بكل واقعية، وبعد تأهيل اقتصادها وتقويته، ستنخرط إيران في المفاوضات وتتحول إلى قوة عظمى، وهكذا ستصبح العلاقات بين إيران وأمريكا عادية.
ج/ سيناريو العراق، وحسب هذا السيناريو ستستمر إيران في برنامجها النووي بشكل سري، في نفس الوقت الذي تجري فيه المفاوضات مع الغرب، وبعد كشف ذلك ستتعرض إيران إلى ضربة عسكرية لمنشئاتها من أمريكا أو إسرائيل، والعلاقات مع أمريكا ستعرف انحساراً.
من بين السيناريوهات الثلاثة، وبالنظر إلى تجارب العقدين الأخيرين، يبدو أن السيناريو الكوري الشمالي هو الأقرب إلى التحقق إذا أراد النظام الإيراني أن يستمر في برنامجه النووي بشكل سري.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هل تنتقل إيران من سياسة "التحدي" إلى دبلوماسية "التنازلات"
د. أحمد موسى[1]
أثارت اللقاءات الرسمية الأخيرة التي جمعت المسؤولين الإيرانيين بنظرائهم الأمريكيين، بعد أكثر من ثلاثة عقود من القطيعة، موجة من ردود الأفعال المتباينة، بين مرحب ورافض. والمقال التالي هو عبارة عن تقرير أعده الباحث الإيراني في العلوم الاجتماعية مجيد محمدي، ونشرته الإذاعة الإيرانية "راديو فردا" في موقعها الالكتروني يوم الأحد 29 شنتبر، وتعميماً للفائدة أقدمه لقراء هسبريس.

أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما في حواره التلفزي مع شبكة abc يوم 15 شتنبر أنه قام بمراسلة المسؤولين في إيران. وكان قبل ذلك وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قد تحدث عن هذه المراسلة. كما أن الرئيس أوباما في بداية ولايته الرئاسية كان قد راسل مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي الذي تلقى هذه المراسلات بسلبية تامة ووصفها بـ"القبضة الحديدية تحت قفازات ناعمة". ومؤخرا راسل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري المسؤولين في إيران طالباً منهم إطلاق سراح إيرانيين يحملان الجنسية الأمريكية، ومستفسراً عن مصير أمريكي ثالث علق في إيران. ولم تكن هذه المراسلات بدعاً على أوباما وحده، بل سبقه في ذلك الرؤساء السابقون من أمثال رونالد ريغن الذي بعث رسائل إلى النظام الإيراني وإن بشكل غير مباشر.
وفي المقابل لم نسمع -على الأقل في العلن- بمبادرة المسؤولين الإيرانيين لمراسلة نظرائهم الأمريكيين، أو بالرد على هذه الرسائل، منذ قيام النظام الحاكم الحالي في سنة 1979. الرئيس الإيراني الوحيد الذي خرق هذه القاعدة هو محمود أحمدي نجاد، الذي وجّه رسالة مفتوحة، على أسلوب الوعاظ، سنة 2006 إلى قادة العالم ومنهم الرئيس الأمريكي السابق جورش بوش، يدعوهم فيها إلى الهدى والاستقامة. غير أنّ خطابه قوبل باللامبالاة.
والأسئلة التي تطرح نفسها بإلحاح في هذا المقام هي لماذا كانت أمريكا هي التي تبادر طيلة عمر نظام الجمهورية الإسلامية في إيران إلى إرسال الرسائل والخطابات إلى المسؤولين الإيرانيين لحل المشاكل العالقة بين الطرفين، وليس العكس؟ ما حاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى إيران لكي تبادر إلى بسط يد الوصل لها باستمرار؟ لماذا يتحاشى المسؤولون الإيرانيون مراسلة نظرائهم الأمريكان، علماً بأنهم، أي الإيرانيين، في تماس دائم، مباشر أو غير مباشر، مع الأمريكيين في مجموعة من الملفات (الأزمة السورية، والعقوبات الاقتصادية، والسجناء الإيرانيون في السجون الأمريكية، والأموال الإيرانية في أمريكا)؟ لماذا يتكتّم القادة الإيرانيون عن هذه المراسلات، ولا يطلعون عليها الرأي العام الإيراني والدولي، بل الطرف الآخر هو من يفعل ذلك باستمرار؟
لماذا المراسلة والتواصل ؟
طيلة خمسٍ وثلاثين سنة الماضية كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفاؤها في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة الأمريكية على ثلاث جبهات، ولعل هذه المواجهات هي التي دفعت أمريكا إلى الإبقاء على شعرة معاوية بينها وبين إيران، بحفظ الارتباط والتواصل مع مسؤوليها :
1/ أخذ الرهائن الأمريكيين في إيران : بدأت هذه العملية من موظفي السفارة الأمريكية في طهران بعيد انتصار الثورة الإيرانية، وامتدت في السنوات الموالية لتشمل الصحفيين والباحثين وباقي المواطنين الأمريكيين أو حاملي الجنسية الأمريكية من ذوي الأصول الإيرانية (على سبيل المثال نستحضر متسلقي الجبال الأمريكيين الثلاثة). وخلال العقد الأخير لم تخل السجون الإيرانية من سجناء أمريكيين متهمين بتهم شتّى، وعلى رأسها التجسس والتخابر. لكن في نهاية المطاف كان يطلق سراح هؤلاء سواء قبل المحاكمة أو بعدها. ومن الطبيعي أن يتوسل المسؤولون الأمريكيون بكل الوسائل الممكنة من مراسلة أو محادثة أو اتصال من أجل تحرير مواطنيهم من السجون الإيرانية، وحتى إن لم يفعلوا ذلك طواعية فسيجبرون تحت ضغوط أسر السجناء والرأي العام الداخلي على التحرك.
2/ أخذ الرهائن الأمريكيين في مناطق أخرى من العالم : خلال العقد الأخير أيضاً نشطت الجماعات اللبنانية الموالية لإيران، من مليشيات حزب الله وحركة أمل وغيرهما في أخذ الرهائن الأمريكيين، وكان قادة أمريكا يتوسلون بالإيرانيين من أجل تحريرهم. وغالباً ما كان يطلق سراحهم في لبنان بهذه الطريقة ومن دون أي مقابل.
3/ نزاعات المنطقة : حينما كان لأمريكا موطئ قدم في العراق وأفغانستان، كانت تشتبك مع بعض القوى والجماعات الموالية لإيران، فكانت تستشعر الحاجة إلى إيران قصد التباحث في بعض القضايا. ولذلك كانت الإدارة الأمريكية تراسل القادة الإيرانيين لترتيب إجراءات الحوار والتباحث بشأن هذه القضايا. وفي مثل هذه الحالات جلست إيران مراراً على طاولة الحوار والتفاوض المباشر مع الأمريكيين وغيرهم.
طابو الحوار والمفاوضات مع أمريكا :
كيف أصبح موضوع الحوار والتواصل مع الأمريكيين من الطابوهات في السياسة الإيرانية؟ منذ قيام نظام الجمهورية الإسلامية في إيران سعى قادتها في تنافس حاد منهم مع القوى الماركسية والمناهضة للإمبريالية في البلاد، ولأجل الظهور بمظهر المناوئين للإمبريالية أكثر من غيرهم، سعوا إلى جعل الحوار والتفاوض مع أمريكا وسيلة للطعن والذم واللعنة، لدرجة أصبحوا اليوم هم أنفسهم أسرى لهذه النظرة التي صنعوها لغيرهم (بالخصوص للقوى الوطنية والمذهبية في عهد حكومة مهدي بازركان المؤقتة). واليوم نرى أن القادة الإيرانيين، وفي ظل الشعارات المعادية للولايات المتحدة التي يرفعونها كل يوم، وفي ظل اعتبار أمريكا عدوة الإسلام والمسلمين ووصفها رسمياً بـ "الشيطان الأكبر" يجعلون من الحوار والتواصل مع أمريكا طابوهاً. فكل من يتفاوض مع أمريكا هو في نظرهم إما جاسوس أو مستلب فكرياً. والحوار بين إيران وأمريكا في تصورهم حوار بين الذئب والغنم. ونتيجة لذلك لا يستطيع المسؤولون في طهران أخذ زمام المبادرة وفتح باب الحوار والمحادثات مع الإدارة الأمريكية لحل القضايا الثنائية. وهنا نستحضر مصير الناطق الرسمي لحكومة بازركان قبل أكثر من ثلاثة عقود حينما سُحب إلى السجن على خلفية اتهامه بإجراء محادثات مع أمريكا.
هاجس هذا الطابو حال حتى دون إقدام المسؤولين في الجمهورية الإسلامية على حل مشاكل مواطنيهم في الولايات المتحدة. يستثنى من ذلك طبعاً الأشخاص المسخرين مباشرة لخدمة النظام في طهران من مهربي الأسلحة والممنوعات، أو المسؤولين وذويهم، فأمثال هؤلاء يتمتعون بدعم الدولة الإيرانية وتُسخر لهم كل الإمكانيات من توكيل محام للدفاع عنهم، أو يُطلق سراحهم عن طريق مبادلتهم بالرهائن الأمريكيين.
اليد العليا واليد السفلى :
يتصور المسؤولون الإيرانيون أن الطرف الذي يمد يده للحوار والمفاوضات يؤدي ثمناً باهظاً، في حين أن الطرف الذي يُتوسل إليه من أجل هذا الغرض يستفيد أكثر. والشاهد على ذلك أنهم لم يُقْدموا على الحوار مع الغرب، وخاصة أمريكا، حتى في أحلك الظروف مثل السنوات الأخيرة من الحرب الإيرانية العراقية، وفي أوج الأزمة في الخليج في تسعينيات القرن المنصرم. وهذا التصور ليس صحيحاً دائماً، وكمثال على ذلك، فإن مبادرة أوباما بمراسلة خامنئي ومحادثة روحاني هاتفياً تعكس في الرأي العام في البلدين وفي سائر أنحاء العالم، صورة رئيس دولة عظمى يسعى إلى حل المشاكل مع إيران دبلوماسياً، في حين يبدو قادة الجمهورية الإسلامية في موقف المعارض للحوار كوسيلة لحل القضايا طيلة 35 سنة، ويكرسون العنف والمؤامرات بديلاً للمفاوضات ولا يميلون لحل المشاكل.
المسؤولية المشتركة :
طالبت الولايات المتحدة مراراً من إيران فتح قنوات للتواصل المباشر معها، وتخصيص خط ساخن (خط أحمر)، خاصة في المناطق التي تعرف تواجداً عسكرياً للبلدين، كمياه الخليج العربي، من أجل تفادي أية ردود فعل غير مرغوبة كقصف الطائرات المدنية. لكنّ رد الإيرانيين الرسمي كان دوماً بالرفض. مطالبة أمريكا بهذا الخصوص اتسمت بالمسؤولية في حين غابت روح المسؤولية عن موقف إيران. فالأمريكان دركاً منهم لموقعهم يحتفظون دائماً بخط للدبلوماسية، حتى في ظروف الحرب والتهديد يبقون على سفاراتهم قائمة في بعض البلدان، ولا يسحبون سفراءهم إلا بشكل مؤقت. على عكس أكثر دول العالم التي تسارع في ظروف الحرب إلى إغلاق تمثيلياتها الدبلوماسية في دول الصراع. لأنها تدرك حقيقة إمكانية إجراء المفاوضات على تبادل الأسرى أو إنهاء الصراع بطريقة أو بأخرى.
الإعلام والشفافية :
في الغالب ما يخفي القادة الإيرانيون مراسلات المسؤولين الأمريكيين لهم، ويكون الإعلام الدولي والمسؤولون في الإدارة الأمريكية أو الأطراف السياسية الإيرانية المعارضة هي من تكشف خبايا هذا التواصل وتوصله إلى الإعلام (على سبيل المثال يمكن الرجوع إلى أحداث قضية "إيران كونترا" وخطاب رونالد ريغان إلى هاشمي رفسنجاني والذي عرف طريقه إلى صفحات الجرائد العربية بواسطة مهدي هاشمي أحد المقربين إلى آية الله منتظري، أو رسالة أوباما الأخيرة لروحاني). ويكون رد فعل الإيرانيين بعد انتشار هذه الأخبار، في الغالب، إما التزام الصمت المطبق، أو عدم إخبار الشعب عن مضمون المراسلات. وسياسة التستر هذه التي دأبت إيران على انتهاجها في جميع المناحي، وليس فقط في المواضيع الحسّاسة التي تخص الأمن القومي، من ناحية، وحاجة الأمريكيين إلى رأيهم العام الداخلي، من ناحية ثانية، تبرز بجلاء الفرق الشاسع بين طريقة عمل الدبلوماسية الإيرانية ومثيلتها الأمريكية. ذلك لأن الإدارة الأمريكية لا تجد غضاضة في المبادرة إلى مد حبل التواصل وطلب التحاور مع خصمها اللدود، وليس لديها أدنى مشكل مع الرأي العام الأمريكي بهذا الخصوص. لكن في المقابل عدم مبادرة القادة الإيرانيين إلى إطلاع الرأي العام الإيراني على المراسلات وتفاصيلها ينم عن قلقهم وتخوفهم من محاكمة وإدانة القوى الشعبية الموالية والمعارضة لهم على حد سواء. لأن القاعدة الشعبية المتعاطفة مع التيار الحاكم، حسب رأيهم، يمكن أن ترى في المبادرة إلى التواصل والتقارب ضعفاً وحاجة إلى "الشيطان الأكبر". كما أن المعارضة، بحسب قراءتهم، يمكن أن تسلّط عليهم سياط النقد الشديد بسبب ازدواجية الخطاب الرسمي (نفي الحوار مع أمريكا ومراسلتها في آن واحد). من هذا المنطلق يرى المعارضون للنظام الإيراني أن بدء المحادثات مع أمريكا من طرف خامنئي هو بمثابة تجرع كأس السم بالنسبة له. سلوك المسؤولين الإيرانيين أنفسهم، هو الذي كان وراء تبلور هذا التحليل لدرجة أصبحوا مجبرين على تبرير موقفهم في قبول الجلوس على طاولة المحادثات مع ألد الأعداء بـ"انعطافة بطل".
فهل يا ترى هذه بوادر سياسة جديدة يمكن أن نطلق عليها "دبلوماسية التنازلات"، أم هي مجرد مناورة تسعى من ورائها إيران إلى جني مكاسب جديدة، وخلط الأوراق من جديد ؟؟     



[1]  أستاذ اللغة الفارسية وآدابها بالجديدة وباحث متخصص في الدراسات الإيرانية.





ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هل يضع خامنئي "حجر عثرة" في طريق المفاوضات النووية؟

أحمد موسى
السبت 23 نونبر 2013 - 05:35
بعد عدة أسابيع من هجمات مباشرة وغير مباشرة، شنتها مؤسسات تحت إشراف مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران، نظير الحرس الثوري، بالتحريض في الشارع على موجة التقارب الجديدة بين إيران والغرب، وعن طريق تعليق صور ولافتات تحت عنوان "الصداقة الأمريكية" في بعض المدن الإيرانية، ومثل خطباء الجمعة، بتأطير وتوجيه من المؤسسة الدينية المركزية، ونظير مجلس تنسيق التبليغات الإسلامية، الذي كلف بعض المحاضرين أمثال سعيد جليلي للتحريض على التوجه الجديد، والهجوم على فريق المفاوضين وأنشطتهم، ها هو علي خامنئي يدافع عنهم في جملة واحدة، حيث يقول : (هؤلاء أبناء الثورة، وموظفو الجمهورية الإسلامية، يعملون بجد لإنجاز مهمة هي غاية في التعقيد، ولا يحق لأي كان أن يضعفهم، أو يهينهم أو يلومهم) [خطاب 3 نونبر 2013] .
لكن هل هذه الهجمات دليل على سعي علي خامنئي الحثيث من أجل إنجاح المفاوضات مع الغرب؟ تتفاوت آراء المهتمين بالشأن الإيراني حول هذا الموضوع. فالباحث الاجتماعي الإيراني، مجيد محمدي، يرى أن أقوال أخرى لمرشد الجمهورية وتصرفاته تدل على أن سعيه الكامل وكذلك المقربين منه، منصب على وضع حجر العثرة في طريق المفاوضات من أجل إفشالها.
إقامة الحجة :
وللتدليل على هذا الرأي يذهب هذا الباحث إلى أن سيد علي خامنئي يقارن بين المفاوضات النويية لهذه السنة وبين مفاوضات سنتي 2003 و2004 التي أجهضها بنفسه، بعد انتهاء ولاية محمد خاتمي الرئاسية. ويروم من وراء هذه المقارنة الوقوف على نجاحها من إخفاقها. فهو يريد منذ اليوم أن يضع حدا فاصلا بين حساباته وحسابات فريق المفاوضين، أي أنه ينظر إلى هذه المفاوضات باعتبارها تجربة ليس إلا، ليثبت في الأخير لفريق حسن روحاني المفاوض عدم جدواها، وفي هذا الصدد يقول في نفس الخطاب : (لن نخسر شيئاً من وراء هذه المفاوضات، بل سيراكم شعبنا تجربة مثل تجربة التعليق المؤقت لتخصيب اليورانيوم خلال سنتي 2003 و2004، وهذا ما سيرفع من منسوب الوعي الفكري والتحليلي لشعبنا).
فمن ينظر إلى المفاوضات بهذه النظرة السلبية-حسب مجيد محمدي- ويعتبرها دون جدوى، يدرك أكثر من غيره، أنه لم يأت من أجل التوافق والمصالحة، بل ليثبت لمؤيدي المصالحة، ومنهم أقرب المقربين إليه، كمستشاره علي أكبر ولايتي، أن سعيهم لا طائل من ورائه. وليقيم عليهم الحجة. فهو طيلة شهور قبل الانتخابات الرئاسية لهذه السنة، كان يؤكد، وفي أكثر من مناسبة، على مقاومته للتسوية، لكن الشعب أعطى صوته لمن كان يرفع شعار المصالحة من بين المرشحين الذين نجوا من غربال الرقابة.
توقعات خامنئي من المفاوضات :
لا يشك خامنئي في عدم جدوى المفاوضات مع الغرب، وهذا واضح من تصريحاته في نفس الخطاب : (قبل عقد من الزمان أجبرنا من خلال المفاوضات مع الأوروبيين على القبول بتعليق التخصيب، لكن بعد سنتين من التعليق، وتعطيل الكثير من الأعمال، أدركنا أنه لا أمل مطلقاً في تعاون الأطراف الغربية).
يبدو من مضمون كلامه أن الدول الغربية حين لم تغير من مواقفها، فإن مسار الملف يجب أن يعود من حيث بدأ. فهو لا يقول هذا الكلام من مقام المتتبع، بل من موقع المفاوض، وكانت له نفس الرؤية منذ البداية وما تزال. ومضمون كلامه هو وضع الشروط على عدم جدوى المفاوضات. والأطراف الإيرانية المفاوضة تدرك جيداً هذه الحقيقة، وهي أنه بدون موافقة مرشد الجمهورية، فلن تنتهي المفاوضات إلى التوافق والمصالحة. لذلك فإن الإشارات السلبية التي يرسلها مسؤولو الجمهورية الإسلامية، تؤكد بشدة استشعار الدول الخمسة لعدم جدية إيران. فعلي خامنئي نفسه –حسب المحلل الاجتماعي- يجلس فوق شجرة ويقطع أغصانها، ويتوقع من الآخرين أن يقبلوا على إنجاح المفاوضات وهم مسلحين بالتفاؤل والانشراح.
دفع الذريعة أو التوافق :
اتخذ آية الله علي خامنئي قراره إزاء الأطراف المقابلة. فهو يعتقد أن إيران ليست وحدها من أتت إلى طاولة المفاوضات لخوض تجربة محادثات غير ناجحة، لكن الأطراف المقابلة أيضاً جاءت لتفشل المفاوضات والمصالحة : (البرنامج النووي الإيراني مجرد ذريعة، فالأمريكيون منذ زمن بعيد وهم لا يكفون أيديهم عن الخصام، ولن يفعلوا ذلك حتى يجعلوا من شعب إيران شعباً معزولا وعديم الأهمية وغير جدير بالاحترام).
لو كانت المفاوضات مجرد ذريعة، فإن هذا يعني أن الأطراف الغربية لم تأت من أجل المصالحة، يقول خامنئي. وفي هذا الصدد يطرح الباحث الإيراني، بعد دراسة وتحليل سلوك وتصرفات المسؤولين في الجمهورية الإسلامية طيلة 35 سنة المنصرمة، هذا السؤال : أي طرف سعى أكثر من أجل إهمال الشعب الإيراني وعزله وعدم احترامه، نظام الجمهورية الإسلامية أم الدول الأجنبية ؟
فمن وجهة نظر خامنئي، أمريكا هي عدوة للجمهورية الإسلامية، وليست أهلا للثقة : (أمريكا تعارض وجود الجمهورية الإسلامية، ونفوذها وصلابة نظامها المنتخب شعبياً. وهذا ما أعلن عنه مؤخراً أحد الساسة والمفكرين الأمريكيين بمنتهى الصراحة، حيث قال أن إيران، نووية أو غير نووية، تشكل خطراً) [نفس الخطاب].
لقد غض خامنئي الطرف عن كلام الرئيس الأمريكي الصريح والواضح في منظمة الأمم المتحدة سنة 2013 الذي أكد فيه أن بلاده ليست في وارد الإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية، وتمسك بتصريح لرجل سياسي ليست له أية صفة أو مسؤولية في الدولة. هذا إذا سلّمنا –حسب رأي محللنا الاجتماعي- بوجود نظام سياسي منتخب في إيران، إذ تحوم شكوك جدية حول ذلك. وشاهدُ خامنئي في هذا الموقف مجرد رجل سياسي واحد من بين مئات الآلاف من الساسة الأمريكيين.
كلام بلا متحدث :
من التكتيكات التي ينتهجها خامنئي في خطاباته الدعائية تغيير المتحدث المفترض الذي لا وجود له، إلى متحدث واقعي. وهو بهذه الطريقة ينسب الكلام الذي يؤلفه بنفسه إلى منتقديه، الذين يفترض أن يكونوا على الدوام عوامل أجنبية، يقول في خطاب له : (يسعى البعض، بالتحريض من وسائل الإعلام الأجنبية، إلى تضليل الرأي العام الإيراني، ويروجون أننا إذا استسلمنا في قضية الملف النووي، فسوف تحل جميع مشاكلنا الاقتصادية وغير الاقتصادية).
لم يقل هذا الكلام، الذي ينسبه خامنئي للمعارضة تلميحاً، أحد من معارضي ومنتقدي الجمهورية الإسلامية، بل على العكس من ذلك، فكلام المعارضة على النقيض تماماً. فالمعارضون والمنتقدون يحمّلون الحكومة نفسها مسؤولية اختلال الظروف وعدم ملاءمتها، ولا يحملونها للدول الغربية وقراراتها السياسية. فلو كانت الدول الغربية هي المسؤولة عن الاختلالات فلا يبقى –حسب الباحث الإيراني- مجال للنقد والمعارضة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى أين يقود الرئيس حسن روحاني إيران؟
إلى أين يقود الرئيس حسن روحاني إيران؟
د.أحمد موسى
الأربعاء 25 دجنبر 2013 - 17:47
بعد مرور نصف العام على تنصيب حكومة حسن روحاني في إيران يبدو أن نقاط القوة والضعف في هذه الحكومة الجديدة بدأت تتضح بجلاء أمام أعين المحللين، وعليه، يمكن تقييم توجهات هذه الحكومة ورسم صورة شفافة عن الوضع في إيران.
وللقيام بهذا التقييم لابد من تقديم قراءة لأولويات حسن روحاني وللفرص والتهديدات التي تواجهه. ولوزن حلفاء حكومته وتبعات نجاح أو فشل ذلك على مستقبل إيران.
أولويات حسن روحاني
ليس من الواضح للمتتبع أن العديد من الإجراءات التي يُتوقع أن يقوم بها الرئيس حسن روحاني، يمكن إدراجها في خانة الأولويات الحقيقية أم العكس، فعلى سبيل المثال، فقد تعرض السيد روحاني في الأشهر الأخيرة لسيل من الانتقادات بسبب عدم إيفائه بوعوده بخصوص رفع الحصار وفك الإقامة الجبرية عن رموز الحركة الخضراء، وكذلك إطلاق سراح السجناء السياسيين.
وهو الذي كان قد وعد في حملته الانتخابية برفع الإقامة الإجبارية عن قادة الإصلاحيين، خصوصاً منهم مير حسين موسوي ومهدي كروبي، وعوض الجواب عن سؤال بخصوص رفع الحصار عن قادة المعارضة قال : «أنا آمل أن الانتخابات في حد ذاتها تكون قد قربت الفجوة، وأتمنى أن تستطيع الحكومة المقبلة إيجاد فضاء سليم في البلاد. في رأيي ليس هناك أي مشكل في تهيئ الظروف خلال سنة قادمة، ليتحرر من هم في الحصار وغيرهم من سجناء أحداث سنة 2009»
وحينما حوصر في تجمع انتخابي آخر بشعار "يجب تحرير السجناء السياسيين"، أبدى رد فعله بقوله «لماذا فقط السجناء السياسيون ؟ لنعمل على تحرير جميع السجناء»
إن تحاشي حسن روحاني التصريح بكلام قاطع وواضح في القضايا السياسية والأمنية ينسحب أيضاً على مجالات أخرى. ففي أول حوار صحفي أجراه بعد الانتخابات، أجاب عن سؤال طرح عليه حول موقع محمد رضا عارف في حكومته، قائلاً : «أنا قلت لجميع مرشحي الانتخابات الأخيرة أنني أنوي الاستعانة ببرامجهم وآرائهم وأطرهم». وفي نفس الحوار، وفي رد على سؤال حول برامج حكومته بخصوص إعادة فتح "نقابة الصحفيين الإيرانيين"، قال : «ليس فقط هذه الجمعية أو النقابة، إنما جميع الجمعيات يجب أن تُفعَّل على أساس القانون، لأن النقابات هي أفضل وسيلة لحل قضايا كل قطاع»
هذا في الوقت الذي يبدو أن وعوده بخصوص موضوعات كالعقوبات والعلاقات الخارجية أكثر وضوحاً. فعلى سبيل المثال، فبعد الانتخابات أعرب مراراً عن رغبة حكومته في حل سريع للملف النووي، بل أكثر من ذلك حدد سقفا زمنيا للوصول إلى هذا الهدف يتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر.
ربما يرجع المتفقون والمعارضون لروحاني هذا التناقض في وعوده إلى الواقعية التي يفرضها النظام السياسي الإيراني، أو نتيجة لكون الإصلاحات السياسية ووضعية حقوق الإنسان لا تحظى لديه بالأولوية.
لكن بعيداً عن أي تقييم لأولويات رئيس الحكومة، ينبغي الإذعان لهذه الحقيقة، وهي أنه طوال عمر روحاني السياسي، لم يُعرف عنه سعيه نحو إيجاد تغييرات سياسية أو اجتماعية في إيران. رغم أنه كان خلال العقد الأخير من دعاة "ما بعد الأجنحة" و"الفاعلية" في السياسة.
الظروف الملائمة
ربما تكون تجربة فترة رئاسة أحمدي نجاد أهم عامل ساهم إلى الآن في تقوية موقع حسن روحاني وحلفائه، ففي ولاية أحمدي نجاد، ظهر طيف جديد ومتشدد من الجناح المحافظ، كان يدعم نجاد ويصطدم مع القوى السياسية الأخرى في البلاد، حتى المحافظين منهم. هذا في الوقت الذي وصل فيه الاقتصاد الإيراني بفعل سياسات الحكومة والعقوبات الاقتصادية إلى درجة من الانهيار لم تعرف إيران مثيلا لها منذ نهاية الحرب مع العراق. لم يقتصر تأثير هذه الأوضاع الاقتصادية المزرية في آخر سنتين من الحكومة السابقة على حياة قشر عظيم من الشعب الإيراني، بل أثارت سخطا واسعا على الأوضاع الموجودة، شمل حتى صفوف المحافظين.
في ظل الأوضاع الراهنة، وعلى عكس فترة رئاسة محمد خاتمي، حيث كانت التيارات المختلفة في الجناح المحافظ تعمل بانسجام ملحوظ للإطاحة بحكومة الإصلاحيين، فإن هجمات الطائفة المتشددة على الحكومة لا تحظى بدعم مجموعة الجناح المحافظ. حتى إن مجموعة من المحافظين، الذين هُمِّشوا في فترة رئاسة أحمدي نجاد من طرف رفقائهم المتشددين، لهم دافع كبير للتعاون مع روحاني ضد المتشددين.
هذا في الوقت الذي نرى فيه أن القوى الإصلاحية والمعتدلة التي دعمت روحاني في انتخابات 2013 بالرغم من الانتقادات التي توجهها بسبب البطء في إجراء التغييرات السياسية في إيران، متحدة في دعمها للسياسة الخارجية للحكومة. على المستوى الاجتماعي أيضا، يبدو أن اتساع الدعم العمومي للأولوية الأساسية لحكومة حسن روحاني وهي رفع العقوبات الاقتصادية، أكثر من ميزان الدعم العام للأولويات الأساسية في حكومة محمد خاتمي، والتي كانت تتمثل في التنمية السياسية.
وارتباطاً بهذه الأولوية فإن مجموعة أخرى من الداعمين المؤثرين للسياسة الخارجية للدولة يشكلها الفاعلون الاقتصاديون والقطاع الخاص في إيران. وهم بسبب العقوبات الاقتصادية –خاصة العقوبات على القطاعين البنكي والنفطي- عاشوا تحت ضغوطات غير مسبوقة، ويرون في رفعها مسألة حياة أو موت بالنسبة لهم.
غرفة التجارة الإيرانية التي ينشط فيها ممثلو القطاع الخاص الحديث في إيران إلى جانب ممثلي البازار التقليدي، دعمت بقوة حسن روحاني في انتخابات 2013، مازالت بعد الانتخابات تؤيده بشكل قاطع. يؤكد ذلك أن أولى تعيينات حسن روحاني بعد فوزه في الانتخابات كانت تعيين محمد نهاونديان رئيس غرفة التجارة والصناعة والمعادن والفلاحة الإيرانية رئيساً لديوان رئيس الجمهورية ومسئولا لهيأة الرئاسة.
الظروف المعرقلة
رغم وجود داعمين متنوعين لحكومة روحاني، إلا أن طريقها ليس معبداً تماماً، إذ أن هناك معارضين أقوياء لها، يتموقعون غالباً في المؤسسات التي يشرف عليها مرشد الثورة. وأكثر الملفات التي تثير غضب هؤلاء المعارضين هي السياسة الخارجية. وأكثر المخالفين لسياسة روحاني الخارجية هم من المحسوبين على آية الله خامنئي.
إلى الآن أكثر الأسباب التي تدفع هؤلاء إلى معارضة سياسة الدولة الخارجية، هو توجه هذه الأخيرة نحو التقارب مع الولايات المتحدة. وتبدو هذه المعارضة متناغمة مع آراء السيد خامنئي، حتى بعد سفر الرئيس إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة، أبدى مخالفته الصريحة لإقامة العلاقات مع الولايات المتحدة. فقد أكد خامنئي أن المفاوضات النووية ومسألة علاقة طهران مع واشنطن هما ملفان منفصلان، ورغم أنه يسمح بالليونة النسبية في الملف الأول، إلا أنه لا يرغب في تكسير طابو العلاقة مع أمريكا.
من الأسباب الأخرى لمعارضة المقربين من خامنئي لهذه الحكومة، هو الدور الذي يلعبه الإصلاحيون فيها. فخامنئي وحلقة أطرافه لهم حساسية واضحة من عودة الإصلاحيين لتصدر المشهد السياسي في البلاد، تجلت هذه الحساسية بوضوح حين التصويت على الحكومة لنيل ثقة البرلمان. وكذلك أثناء تعيين الوزراء الجدد. وبضغط من خامنئي ومقربيه لم يستطع بعض المقربين من محمد خاتمي أن يدخل في الحكومة. لكن هذا كله لا يعني أن الإصلاحيين لهم دور لا يعتد به في حكومة روحاني. لكن الشواهد الموجودة تثبت أن آية الله خامنئي والمقربين منه جادّون في إبعاد أمثال هؤلاء عن المناصب الخاصة والحساسة، خاصة تلك التي لها ارتباط مباشر أو غير مباشر بالمسألة الأمنية. ولهذا السبب نجد أن جميع وزارات الدولة الأمنية والحساسة في حكومة روحاني يشغلها وزراء محسوبون على التيار المحافظ التقليدي، وفي الغالب لم تكن لهم علاقة جيدة مع الإصلاحيين في السابق، كوزارة المخابرات والداخلية والدفاع والعدل. وقد قوبل وجود مثل هذه التركيبة باعتراض مجموعة من الإصلاحيين، الذين أكدوا أن روحاني وصل إلى سدة الحكم بدعم وأصوات أشخاص لهم انتظارات بإيجاد تغييرات في الوضع السياسي وحقوق الإنسان في البلاد. وعلى أساس هذه التوجه فإن السيد حسن روحاني لم يقم بتدابير واضحة من أجل تحقيق أهداف من مثل رفع الحصار عن قادة الحركة الخضراء، وإطلاق سراح سجناء الرأي، والتخفيف من القبضة الأمنية على النشطاء السياسيين والاجتماعيين.
من ناحية أخرى فإن تحسن العلاقات بين الحكومة والمحافظين التقليديين في عهد روحاني أدى إلى ظهور تعقيدات في العلاقة بينها وبين المصوتين عليها. فالعديد من السياسيين ورجال الدين المحافظين من الناحية الثقافية لهم آراء جد منغلقة ويتوقعون من الحكومة الجديدة أن تأخذ آراءهم بعين الاعتبار.
فعلى سبيل المثال كبار رجال الدين المحافظين، لا يقبلون بأي وجه من الوجوه حضور النساء والمسلمون السنة في المناصب السياسية العليا، ويرفضون تخفيف رقابة الشرطة على لباس النساء والشباب. هذا في الوقت الذي كان فيه جزء كبير من المصوتين لحسن روحاني يشكله طبقة النساء والأقليات والشباب، الذين كانوا جميعهم يرغب في تحسين وضعيتهم. وهكذا يبدو أن الرئيس في موقف لا يحسد عليه بين توقعات المصوتين وانتظارات المحافظين التقليديين المتشددة، وليس معلوماً إلى أي حد يمكن أن يستمر شهر العسل مع هذين الطرفين.
مشاكل حسن روحاني مع مؤسسات الدولة الإيرانية
أقوى مؤسسات الدولة في إيران هي مؤسسة القيادة التي أعلنت دعمها المشروط لحكومة حسن روحاني.
وقد كان السيد خامنئي قبل الانتخابات الرئاسية قد انتقد في عدة تصريحات متفرقة فريق المفاوضين في الملف النووي على عهد حكومة الرئيس الأسبق محمد خاتمي، والذي –أي الفريق- كان يقوده حسن روحاني. بيد أنه مع بداية المفاوضات في عهد هذه الحكومة، الحكومة الحادية عشرة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، طالب بدعم فريق المفاوضين، في توجه غير واضح منه، أي رغم عدم تفاؤله بخصوص نتيجة المفاوضات النووية لكنه لا يرى "ضرراً" في ذلك.
يبدو أن آية الله خامنئي لم يكن يرى في حسن روحاني أفضل مرشح لرئاسة الجمهورية لهذه السنة، لكن بالنظر إلى التجربة المريرة للحركة الخضراء سنة 2009 وحساسية مآل الملف النووي الإيراني، لم يكن مستعداً لدفع أي ثمن مقابل الحيلولة دون نجاح روحاني في الانتخابات.
ويمكن أيضا افتراض أن ضغوطات العقوبات الدولية على الاقتصاد الإيراني، وتجربة إدارة مرحلة محمود أحمدي نجاد المكلفة، ربما تكون قد أقنعت آية الله خامنئي بإعطاء فرصة لحسن روحاني للمحاولة من أجل رفع هذه العقوبات وإنقاذ اقتصاد البلاد. لكن هذا التوجه لا يعني بالضرورة أن مؤسسة القيادة تهدف إلى مواكبة سياسات حسن روحاني الأخرى. خاصة وأن آية الله خامنئي أبدى بكل وضوح حساسيته من الكثير من الداعمين والمرافقين للسيد روحاني-بدء من الإصلاحيين ووصولا إلى المقربين من هاشمي رفسنجاني- ومن احتمال توسع نفوذهم في الحكومة الإيرانية.
الحرس الثوري بدوره من المؤسسات المصيرية الأخرى في الدولة الإيرانية، وقد اتخذ مواقف متطابقة مع مواقف مرشد الثورة الإيرانية إزاء حكومة روحاني.
بيد أن قادة الحرس الثوري والقوى الشبه عسكرية المقربة منه، أي "البسيج"، لم يتخذوا لحد الآن مواقف يمكن تصنيفها كمعارضة منسجمة لحكومة حسن روحاني، وإن كان الكثير من قادة الحرس قد عارضوا سياسة الحكومة في مجالات تتصل بالسياسة الخارجية أو بالعلاقات مع أمريكا.
وكمثال بارز على هذه المواقف المعارضة نذكر تصريحات القائد الأعلى للحرس بعد سفر حسن روحاني إلى نيويورك، والتي دعّم فيها كل الخطوات التي اتخذها الرئيس في سفره، لكنه انتقد مكالمته الهاتفية للرئيس الأمريكي.
رد فعل آخر على السياسة الخارجية للحكومة تمثل في تعليق لوحات ولافتات في جميع أنحاء طهران تنتقد التقارب الإيراني الأمريكي، الذي تمخض عن المفاوضات النووية التي جمعت الإيرانيين بالغرب في جنيف. فهذه اللوحات وإن كانت قد تم جمعها بمتابعة من السلطات، إلا أنها كانت مدعومة بشكل كامل من طرف وسائل الإعلام المرتبطة بالحرس و"البسيج". وقد اتضح في الأخير، وبعد إجراء التحقيقات، أن تلك اللوحات كانت من تصميم إحدى الشركات الإشهارية المقربة من الحرس الثوري، وتعليقها على الجدران تم تحت إشراف قوى "البسيج" في بلدية طهران، وبدون القيام بالإجراءات الروتينية في مثل هذه الحالات.
ومن ناحية أخرى فإن حكومة حسن روحاني تواجه تحديات جمّة على مستوى الأجهزة الاستخباراتية والأمنية. فالجهازان الاستخباريان الرئيسيان في إيران هما "جهاز مخابرات الحرس الثوري" و"وزارة المخابرات"، والاثنان لهما وضعية متفاوتة من حيث الارتباط بحكومة حسن روحاني.
مؤسسة مخابرات الحرس الثوري تعمل تحت إشراف مرشد الثورة، وهي تتشكّل من أكثر القوى الاستخباراتية تشددا وأكثرها قربا إليه.
ولا نبالغ إذا قلنا أن إحدى المهام الأساسية التي يؤديها هذا الجهاز هو مراقبة وفرملة القوى السياسية والاجتماعية التي شكلت في الانتخابات الأخيرة غرفة عمليات الحملة الانتخابية لحسن روحاني وكانت وراء نجاحه.
وزارة المخابرات في هذه الحكومة يرأسها محمود علوي الذي يبدو أنه لم يكن الاختيار المناسب لحسن روحاني، ولكن لأنه من الوزراء الذين يجب أن يصادق مرشد الثورة على تعيينهم، يبدو أن رئيس الجمهورية في اختياره كانت له سلطة جد محدودة. وهذا الوزير ينتمي إلى الجناح المحافظ التقليدي وليست له خبرة في الإدارة المخابراتية، وهذا الأمر استدعى قلق بعض الداعمين لحسن روحاني، ويرى بعض المتتبعين أنه لن يكون قادراً على إيجاد التغييرات المطلوبة في هذه الوزارة الحساسة، وسيكون للمدراء والقوى المتبقية من السابق سلطة كبيرة في وزارته.
تعززت هذه التخوفات في الشهور الأخيرة بشكل جدي، وطفت على سطح الصحافة، وسبب ذلك هو استمرار الضغوط الأمنية على المنتقدين للحكومة في المجالات المختلفة، وتهديد الصحفيين في الداخل، وممارسة الضغط على عائلاتهم في الخارج، والمعاملة السيئة لبنات زعيم المعارضة مير حسين موسوي وزوجته.
كما أن وزارة الداخلية التي لها سلطة نسبية على الشرطة-بدون حق التنصيب والعزل للقادة- يسيرها وزير محافظ، من المقربين إلى رئيس البرلمان المحافظ، وكان في زمان رئاسة محمد خاتمي من ألد أعداء الإصلاحيين.
في الأخير علاوة على التحديات المذكورة فّإن مشاكل رئيس الجمهورية مع باقي مؤسسات السلطة في إيران، كالسلطة الاقتصادية والإعلامية، هي إلى حد كبير مشابهة للمشاكل التي واجهتها جميع الحكومات السابقة مع المؤسسات التي تعمل تحت إشراف مؤسسة القيادة.
وكتبسيط لهذه المشاكل والعوائق نشير إلى عدم سيطرة الحكومة على القسم المهم من آليات السلطة الإعلامية، خاصة مؤسسة الراديو والتلفزيون التي هي بحسب الدستور الإيراني تابعة لمؤسسة القيادة، والسلطة الاقتصادية التي يحتكر جزء كبيراً منها الحرس الثوري.
تداعيات نجاح أو إخفاق حسن روحاني
بالنظر إلى إمكانيات ومشاكل الحكومة الحادية عشرة، فإن نجاح أو إخفاق هذه الحكومة في الوصول إلى الأهداف المحددة، وخاصة حل الملف النووي، سيكون له عواقب وتأثيرات على المعادلات السياسية الإيرانية. فنجاح هذه الحكومة في حل القضية النووية وإلغاء العقوبات الدولية سيعزز لا محالة موقع المعتدلين في الرأي العام الإيراني وحتى لدى المؤسسات الحكومية. وهذا النجاح -إن حصل- سوف تكون له مكتسبات انتخابية مهمة بحيث سيجعل التنافس مع التيار المعتدل في الاستحقاقات الإيرانية المقبلة أمراً صعباً للغاية على باقي التيارات، إن لم يؤدي فعلاً إلى الانهيار السياسي للأطراف المتشددة.
وإن تحقق هذا المكسب هو بكل تأكيد ليس في صالح هذه الأطراف التي ربما ستسعى للحيلولة دون تحققه، عن طريق القيام بإجراءات تتجاوز مجرد المعارضة السياسية المتعارف عليها، وربما تصل –حسب بعض المحللين- إلى ممارسة أعمال التخريب..
من ناحية أخرى، لا يجب نسيان امتعاض آية الله خامنئي وعدم ارتياحه الصريح من نتائج المفاوضات النووية، فهو خلال السبع سنوات الماضية، كرر في ست مناسبات وبعبارات متشابهة نفس التحليل والقراءة لنتائج مساعي الإصلاحيين من أجل إزالة التوتر مع الغرب في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي، في أن جواب أمريكا على سياسات الإصلاحيين المسالمة هي مزيد من تشدد الموقف الأمريكي تجاه إيران، وفي نفس الصدد ذكر مرشد إيران مراراً أن أمريكا صنّفت إيران كدولة من دول محور الشر في عهد الإصلاحيين أنفسهم. هذا بالرغم من أن مرشد إيران أذعن لتغيير رؤيته تجاه الملف النووي الإيراني في السنة الأخيرة نتيجة للعقوبات الاقتصادية، ولكن ليس هناك ما يبرهن على أن سوء ظنه القديم بالغرب قد يتغيَّر أيضاً.

وأخيراً فإن مؤيدي التعامل مع الغرب أمثال حسن روحاني، الذي جرّب مرة سابقة في عهد محمد خاتمي خوض مسار التوافق مع الغرب بخصوص الملف النووي وفشل في إحراز تقدم فيه بسبب عدم مساندة المرشد حينها، وبالتالي اضطر إلى الاعتزال، فإن هذه المرة اختلف الأمر عن السابق، واضطر خامنئي للنزول عند رغبة التوجه الجديد للرئيس روحاني، وبفعل عوامل ذاتية وموضوعية كثيرة أشرنا إلى بعضها في هذا المقال، وقَبِل بالتفاوض مع الغرب الذي أفضى إلى نوع من التقارب، بيد أن نتائج هذا الاتفاق وهذا التقارب ليست محسومة ومرتبطة بمدى جديّة إيران في تنفيذ بنود الاتفاق، ووحدها الشهور القادمة ستكشف لنا إن كانت إيران ليست بصدد مناورة جديدة بغرض رفع العقوبات وشحذ القوى والاستعداد لمرحلة جديدة من تحدي المنتظم الدولي، حتى تصل إلى مرادها، وتصبح قوة نووية عسكرية تفرض شروطها على الجميع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خامنئي يضبط إيقاع المحافظين والإصلاحيين في إيران
خامنئي يضبط إيقاع المحافظين والإصلاحيين في إيران
د. أحمد موسى
الخميس 24 أبريل 2014 - 03:00
جرياً على عادته مطلع كل سنة جديدة، ألقى مرشدة الثورة الإسلامية الإيرانية، آية الله على خامنئي، فاتح السنة الإيرانية الجديدة الموافق لـ21 من مارس 2014م في ضريح الإمام علي بن موسى الرضا، الإمام الثامن لدى الشيعة، الكائن في مدينة مشهد "المقدسة"، خطاباً على مسامع الآلاف من أنصاره وزوار عتبات حرم ثامن الأئمة. وعادة ما يرسم الولي الفقيه وقائد الدولة في إيران في خطابه "النوروزي" (نسبة إلى النوروز، العيد الإيراني القومي الذي يصادف مطلع السنة الجديدة) معالم رؤيته للدولة والمجتمع خلال العام الجديد.
وبالعودة إلى هذا الخطاب، وبعد استقراء محاويره، وخاصة فيما يخص القضايا الإيرانية الداخلية، نستنتج نقاطاً هامة، منها أن السيد علي خامنئي :
1/ قلقٌ من التهديدات الناتجة عن الصدام بين الجناحين الرئيسيين في الدولة : الجناح المحافظ والجناح الإصلاحي.
2/ يدعم بقوة الجناح الأصولي (المحافظ) وإن كان يبدي بعض القلق بخصوص طريقة تعامل أفراده.
3/ له دعم استراتيجي غير بارز للجناح المعتدل ولحكومة حسن روحاني.
4/ يبتغي من وراء إدارة دواليب الجناحين وتثبيت مكانة كل طرف، تنظيم العلاقة بينهما.
إن تأثير السيد علي خامنئي على المجتمع السياسي الإيراني ليس مطلقاً بالكامل. وعلى خلاف ما يذهب إليه البعض، فإن ولايته فعلياً ليست فقط غير مطلقة، إنما هي محدودة حتى بين القوى السياسية الوفية للنظام. وأبرز دليل على هذا الطرح هو أنه نجح بصعوبة بالغة في نزع فتيل الأزمة بين التيارات الأصولية في فترة رئاسة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد والسيطرة على الموقف.
بنية الخطاب النوروزي:
استغرق خطاب السيد علي خامنئي بمناسبة الاحتفال بعيد النوروز حوالي 73 دقيقة، نقسّمها كالتالي:
استحوذت القضايا الاقتصادية على حوالي %43 من زمن الخطاب. واستغرقت المواضيع الموافقة لمزاج الجناح المحافظ حوالي %24 من مدة الكلمة. وأخذ موضوع الغرب ومعارضته حوالي 12%. فيما خصَّص حوالي 7% للقضايا المتناغمة مع طبع المعتدلين.
ويلاحظ أن الاهتمام بالقضايا الداخلية في هذا الخطاب كان أكثر بكثير مقارنة بخطابه في نفس المناسبة قبل أربع سنوات. إذ خصص مرشد الثورة هذه السنة ما يقارب 88% من كلمته للشؤون الداخلية للبلاد، في وقت لم يستحوذ هذا الموضوع من كلمته قبل أربع سنوات إلا على 12%.
وأكثر الكلمات المستعملة في خطابه هذا جاءت على التوالي : الشعب (تكررت 71 مرة)، والدولة (تكررت 50 مرة)، والعمل أو الإنتاج (46 مرة)، والاقتصاد (41 مرة)، والسنة (29 مرة)، والثقافة (18 مرة)، والوطني (15 مرة)، وإيران (12 مرة)، والإسلام (10 مرات).
دعم محدود لكنه واضح للجناح المعتدل:
اشتملت كلمة آية الله علي خامنئي لهذه السنة على حوالي 7% من الحديث الذي يمكن اعتباره متناغماً مع مزاج المعتدلين، ويُفسّر هذا الأمر بدعم هذا الجناح وتقويته، من جملة ذلك نشير إلى:
1/ حديثه عن موضوع "الديمقراطية الدينية" ومشاركة الناس في الانتخابات. وهذا لوحده يحظى بالأهمية لكونه يتناغم مع توجهات المعتدلين الإصلاحيين، ويعدّ زادهم الإعلامي والجدلي. وفي هذا الصدد أكد السيد علي خامنئي على أن "ديمقراطية الجمهورية الإسلامية" باتت مهيكلة وغدت تياراً عادياً. كما أكد على أنه لا ينبغي "التنكّر" لنسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي بلغت 72%. وكان في هذا المقطع يوجه الكلام يخاطب بشكل واضح جداً للتيارات اليمينية أو المحافظة، وقد أبان عن الأمر بمنتهى الصراحة إذ قال : (دعني أقول لكم أيها الشباب أنه لا يجدر بنا أن نجحد هذه النعمة الكبيرة)، أي أنه يقول بصيغة أخرى : اعرفوا قدر نجاح المعتدلين أيها المحافظون.
2/ في حديثه عن التحولات التي عرفها العام 2009م، لم يستعمل السيد خامنئي في خطابه هذا كلمات "الفتنة" و"أصحاب الفتن"، التي كانت رائجة خلال السنوات الأخيرة، وكان هو نفسه يستعملها أيضاً. بل كان كلامه حول هذا الموضوع مقتضباً. قال في هذا الصدد "يُثار أحياناً أن الانتخابات غير سليمة، وهذا أيضاً يعتبر جحوداً". وكانت نبرة كلامه بخصوص هذا الموضوع هادئة جداً إذا ما قيست بحدة كلامه في الماضي.
3/ أبرز آية الله خامنئي قلقه بخصوص القضايا الثقافية، وطالب القوى "الشابة والمؤمنة"، وهو يقصد "القوى المحافظة والمتشددة"، طالبها بالعمل الجاد على هذا الصعيد. وأكد في الوقت نفسه أن هذا العمل يجب أن يكون موازياً للمنطق السليم والتعبير الواضح، وبعيداً عن كيل التهم واختلاق القلاقل. وقال منبهاً أن التكفير واتهام الناس ليس هو الأسلوب المطلوب. قال : "على القوى الثورية" أن تنتقد بشكل "منطقي" وتكشف النقاب عن القضايا السلبية. وتأكيده هنا على ضرورة اعتماد المنطق والعقل في النقد يصب في مصلحة القوى المعتدلة.
4/ أشار خامنئي في كلمته إلى الحرية، واعتبرها من "شعارات الثورة"، وجزءاً لا يتجزأ من أسس الجمهورية الإسلامية. وهنا أيضاً كان كلامه مقتضباً، ولكن ذا مغزى كبير. كما قال إن "الحرية نعمة إلهية كبرى". وهذا التوصيف الواضح لموضوع الحرية هو أيضاً يصب في مصلحة الجناح المعتدل، وبالخصوص في صالح حكومة حسن روحاني.
دعم ثقافي قوي للجناح المحافظ:
لقد دافع مرشد الثورة الإيرانية في هذا الخطاب، بشكل قوي، عن الجناح المحافظ والمتشددين من الأصوليين، وللاستدلال على ذلك نكتفي بالإشارات التالية:
1/ تصب نسبة 24% من كلامه في مصلحة الأصوليين وتتناغم مع توجهاتهم. وهذا التقسيم جدير بالاهتمام، لأنه من الناحية الكمية، فإن دعم خامنئي للمحافظين يشكّل ثلاثة أضعاف دعمه للمعتدلين.
2/ في معرض تحليله لضرورة المقاومة الثقافية نهل السيد علي خامنئي من القاموس الذي يستعذبه الأصوليون. وأساساً، المسألة الثقافية هي من الاهتمامات الأساسية للمحافظين التقليديين، ذلك لأنهم يرون أن الثورة والجمهورية الإسلامية الإيرانية ظاهرتان "ثقافيتان" قامتا على أسس عقدية وبنى فكرية. فتحليل آية الله خامنئي للمسألة الثقافية واستدلاله عليها، هو في عمومه، وليس بشكل مطلق، يوافق هوى المحافظين التقليديين ويدعوهم لتتبه. من جملة ذلك، قوله إنه يجب تقوية "الإيمان المذهبي" و"الثقافة الإسلامية"، و"الثقافة الثورية". وأضاف أن "الحرية" ينبغي أن تكون تابعة لهذه الضرورة. القضايا التي أثارها خامنئي حول المشكلات الثقافية، وكذلك نبرته في بيان كلامه هذا، كانت تنطوي على زخم عاطفي ثقيل، أحيت في الذاكرة التشنجات السياسية الماضية. وهذا الأمر من شأنه إثارة الصدام والجدال الحاد بين الأجنحة داخل المجتمع الإيراني.
3/ طالب خامنئي من القوى المتشددة –تحديداً-، التي ينعتها باسم (الشباب المؤمن والثوري) أن تنشط على المستوى الثقافي. ويبدو أنه يشير إلى القوى اليمينية الفاعلة على الأرض، والتي عُرف عنها منذ بداية الثورة إلى الآن ترويجها لثقافة العنف وعدم تبصرها السياسي. وكانت نبرة كلامه وخلفيته العاطفية مشجّعة ومقوّية. دفعتهم إلى المقاومة. واختيار المخاطبين في مقطع كلامه هنا يحيل على العنف السياسي في الماضي الإيراني غير البعيد.
4/ الحمولة العاطفية والفكرية للقاء عموماً كان في صالح المحافظين. فالحاضرون في هذا الخطاب كان جميعهم ينتمي إلى قاعدة المحافظين والأصوليين، ويتفاعلون مع الكلام المتناغم مع توجههم بإيجابية عبر رفع شعارات التأييد والتكبير.
المفاوضات النووية.. صمت وتأييد حذر:
لمح آية الله علي خامنئي في كلمته هاته إلى أهم موضوع في السياسية الخارجية الإيرانية، وهو المفاوضات النووية، وأبدى تأييداً. وكانت إشارته إلى المحادثات التي تجريها بلاده مع القوى الغربية مقتضبة وهامشية، وأبان عنها بنبرة يُلمس فيها الحيطة والحذر. فهو لم يعلن تأييده للمفاوضات بشكل صريح، ولكنه أيضاً لم يبد اعتراضاً عليها.
وقال في هذا الخصوص "بعد أن شرعت المحادثات النووية، صرح الساسة الأمريكيون أن الشعب الإيراني رجع في كلامه، وغض الطرف عن مبادئه. وفي هذا المجال كان كلامهم للشعب الإيراني غير مؤدب ومهين".
وهذه إشارة ضمنية لا يعترض فيها على مبدأ المفاوضات. ولكنه لا يشير، لا من قريب ولا من بعيد، إلى المفاوضات الجارية وما أفرزت عنه من تحول كبير في السياسة الخارجية الإيرانية.
صحيح أن خامنئي لم يدعم –علناً- المفاوضات النووية، ولم يسند –في الظاهر- ظهر حكومة روحاني وسياسته الخارجية. لكنه، وهذا مهم، لم يساير النقاش المنتقد للجناح المحافظ في هذا الملف ولم يتماهى معه. ولم يكرر قائد الجمهورية الإسلامية الاعتراضات التي أطلقها المتشددون حول المفاوضات. ليقدم لهم مادة دسمة للحرب الإعلامية.
واضح أن موقف السيد علي خامنئي من المفاوضات النووية هو موقف المحافظين، غير أنه يترك الأمر مبهماً، ربما تحسباً لاحتمال فشلها في المستقبل.
فسكوته يُفسّر بالرضا عن هذا المسار ويُعتبر تأييداً لسلامة هذا النهج في المحادثات بين إيران والغرب. في الوقت نفسه يجب التنبيه إلى أن إبهامه وعدم إيضاح موقفه بشكل جلي سوف يترك الباب موارباً لاستمرار التجاذبات والنزاعات بين الأجنحة السياسية الإيرانية بخصوص المفاوضات النووية.
يبدو أن سياسة السيد علي خامنئي تقوم اليوم على تنظيم العلاقة بين التيارات لأجل حفظ النظام واستمرار الوضع الراهن كما هو عليه. والأسلوب الذي يتبعه لتحقيق هذا المبتغى يبدو جلياً في مخاطبة كلا الجناحين بكلام يستعذبانه ويجعل منه مادة دسمة في السجال المستمر بينهما. فهو يعترف بوجود كلا التيارين لكنه يريد أن يرسم خارطة تحرك ونشاط كلٍّ منهما. وعلى هذا الأساس فإن دعمه لأحد الطرفين يتوقف على مقتضيات الظروف


ماذا فعل الخميني و"ولاية الفقيه" بالمؤسسة الدينية في إيران؟
مجيد محمدي* | ترجمة : أحمد موسى **
الاثنين 09 يونيو 2014 - 03:00
ماذا فعل الخميني بالمؤسسة الدينية في إيران؟ وليس هناك فرد أو جماعة في إيران لم تتأثر بقيادته، بنحو من الأنحاء، سواء سلباً أو إيجاباً. لكن الروحانيين (رجال الدين) تأثروا قبل الجميع، قبل الجامعيين والعمال ورجال التعليم والنساء والفنانين والكُتّاب والعسكريين، وتغيّر مصيرهم بفعل النهضة التي قادها الخميني نفسه، وطرح أفكارها وتصوراتها في كتابيه "كشف الأسرار" و"الحكومة الإسلامية".
واليوم، وبعد مرور أكثر من 35 سنة على تجربة نظام الجمهورية الإسلامية (الشيعية) في إيران يمكن الإجابة بكل وضوح عن هذا السؤال، وهو ماذا فعل الخميني بالمؤسسة الدينية، أو ما يُصطلح على تسميته في أدبيات الشيعة "الروحانية" الشيعية ؟
ماذا منح الإمام الخميني للروحانية الشيعية؟
بتأسيسه لنظرية ولاية الفقيه وتطبيقه لنظام الجمهورية الإسلامية (الشيعية) في إيران، يكون الإمام الخميني قد وضع أربع إمكانيات تحت تصرف الروحانيين (الملالي، أو أصحاب العمائم) الشيعة :
1/ امتيازات خاصة في الحكم وممارسة السلطة عن طريق منحهم العضوية الكاملة والحصرية في مجلس خبراء القيادة، والعضوية الفاعلة والمؤثرة في مجلس صيانة الدستور، والسلطة القضائية، والإدارة السياسية والمذهبية لقوى الأمن بجميع تلاوينها، وكذلك النيابة عن المرشد الأعلى للثورة في المحافظات والجامعات والقوات العسكرية. وأيضاً التواجد بقوة على جميع مستويات سن التشريعات ووضع القوانين، وإنزال السياسات واتخاذ القرارات. وقد اتخذت هذه الامتيازات الواسعة صفة الشرعية بدسترها في أسمى وثيقة في البلاد، التي وضعها مصممو الثورة الإسلامية بعيد إطاحتهم بالشاه. وأصبحت مجسدة ومهيكلة على أرض الواقع بفعل الإفادة من قوة الحكومة.
2/ استحواذ رجال الدين وأصحاب العمائم على مصادر الثروة في المجتمع الإيراني عن طريق المصادرات، وإسناد تسيير مؤسسات الدولة وشركاتها الكبرى إليهم وإلى أفراد عائلاتهم. والحصول على أعلى الدخول في القطاعات الحكومية والعمومية. والحصول على امتياز الاستثمار في الواردات والصادرات عن طريق العلاقات الخاصة. وربح جزء مهم من العملة الصعبة عن طريق الشركات التي تدار تحت إشرافهم أو تحت إشراف المقربين منهم. والحصول على جزء مهم جداً من الاعتمادات الموجهة إلى القطاعين الثقافي والتعليمي في إيران.
3/ إمكانية فرض طريقة حياتهم على المجتمع الإيراني بالاستناد على مداخيل النفط والقوى النافذة. وهي الأمنية التي لطالما حلمت بها الروحانية الشيعية لعقود طويلة. فاليوم الكلمة العليا تعود إليهم، وكلما أحسوا أن صوتهم غير مسموع وليس هو أعلى الأصوات توسلوا بالقوات العسكرية وشبه العسكرية لاستمالة عموم الشعب إلى جانبهم.
4/ التخلص من عبء طرق أبواب الناس لقراءة المدائح والمراثي قصد الحصول على بعض المال (رجال الدين البسطاء)، في مقابل لجوء الناس إليهم لتسديد الخُمس بهدف تطهير أموال من يعزم على السفر إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج (رجال الدين من الطبقات العليا). كان عدد الذين يؤدون الخُمُس كل سنة، بناء على المعتقدات الشيعية، إلى المرجعيات الدينية قليلا جداً، لذلك كان على الملالي أن يبقوا متعلقين بالناس وبمواضيعهم طمعاً فيما سيجودون به. ولهذا السبب كان يفسر مرتضى مطهرى التصاق رجال الدين بالعوام وإغراقهم في العامية. لذلك فقد ساهمت السلطة والثروة التي أكسبها النظام لهم، ليس فقط في الاستغناء عن الناس، بل أدت إلى تعلّق الناس بهم ومطاردة مواكبهم خلال تنقلاتهم في المحافظات طمعاً في كسب بضعة آلاف من التومانات (التومان هي العملة الرسمية المتداولة في إيران).
ماذا سلب الخميني من الروحانية الشيعية؟
لكن في مقابل الأشياء التي منحها الخميني ونظريته في ولاية الفقيه للروحانيين (جميعهم بدون استثناء سواء من كان مع الخميني أو من كان ضده، وسواء من كان يؤمن بولاية الفقيه أو من كان يكفر بها ويعارضها)، هناك أشياء أخرى سلبها منهم :
1/ كانت الروحانية الشيعية على مدار التاريخ لا تؤمن بنظام أخلاقي وحقوقي معيّن، بل تعتقد أن نظامها الأخلاقي والقانوني الوحيد هو الشريعة، ولازالت كذلك. لكن منح السلطة المطلقة لجماعة لا تؤمن بحاكمية القانون ولا تتبع نظاماً أخلاقياً معيّناً عرّضها للوقوع في الفساد. ومن النادر جداً أن تجد روحانياً في الحكومة لم يستغل السلطة الممنوحة له لتحقيق مآربه الشخصية (من التدخل لفائدة الأبناء قصد اجتياز حاجز المباريات في الجامعات والمعاهد والوظائف إلى نزع الملكية من أراضي الدولة، ومن السفر إلى الخارج من دون داع فقط للحصول على العملة الصعبة إلى الاستفادة من القروض المجانية أو القليلة الفائدة، ومن شراء الأملاك المصادرة بأرخص الأسعار إلى السفر الترفيهي بتمويل من أموال الشعب، ومن الارتقاء في مدارج السلطة عن طريق إقصاء المنافسين إلى استغلال المال العام للأغراض الشخصية...) لأن الشريعة في عرف الشيعة وأدبياتها لا تشكل مانعاً من هذه الممارسات، طالما أن الإطار الإيديولوجي للشريعة في الفكر الخميني جعل الأموال العمومية في اختيار وتصرف الولي الفقيه ومن يمثله وينوب عنه ويخدم نظريته. إذ يستطيع هؤلاء صرف هذه الأموال حسب مشيئتهم. لأن الثروة عامل للوصول إلى السلطة، لذلك يجب أن تكون تحت تصرف الأوفياء للحكومة ولولاية الفقيه وللقائم مقام إمام الزمان بأي ثمن وبأية طريقة.
2/ بتمكينهم من التحكم في مفاصل الدولة دون استعداد أخلاقي وقانوني مسبق، يكون الإمام الخميني قد عرّض الثقة التي كسبها قسمٌ كبير من الروحانيين خلال سنوات طويلة إلى الخطر والزوال. لقد كان السواد الأعظم من رجال الدين الشيعة قبل قيام نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية معارضاً لنظرية ولاية الفقيه الخمينية لأنهم كانوا يدركون أنهم سيفقدون بهذه الطريقة ثقة الناس. لكنهم حينما تذوقوا حلاوة السلطة رحبت الغالبية العظمى منهم بنظرية ولاية الفقيه. لذلك فقد أذاقهم الخميني حلاوة السلطة وسلب منهم ثقة عموم الناس.
لقد أحدثت الجمهورية الإسلامية خللا في علاقة الروحانيين بالمواطنين التي كانت تنبني بينهما على أساس أن رجل الدين هو الواعظ والخطيب والمفتي والمستشار. فقبل ثورة 1979م وتأسيس الجمهورية الإسلامية كان الروحانيون إلى جانب الجامعيين ورجال التعليم من الفئات التي تحظى بثقة عالية لدى الشعب، لكن بعد مرور بضع سنوات على تأسيس الجمهورية الإسلامية فقدوا هذه المكانة. وقد أظهرت استطلاعات الرأي التي أجرتها مراكز شبه مستقلة في أواخر عقد التسعينيات في إيران أن محبوبيتهم في انحدار.
3/ لقد حوّل الخميني المؤسسة الروحانية التي كانت في العصرين القاجاري والبهلوي مؤسسة شبه مدنية وتنعم إلى حد ما بالاستقلال (حيث كانت تتمتع باستقلال إداري ومؤسساتي، ولم تكن موارد الدولة من مواردها الأساسية)، حوّلها إلى جزء لا يتجزأ من الحكومة. وجاء علي خامنئي، مرشد الثورة الحالي، وأكمل المهمة التي كان قد بدأها الخميني ولم يستطع إكمالها بسبب ظروف الحرب الإيرانية العراقية. وباتت الروحانية والمؤسسات الدينية الأخرى في عهده قطعة لا تنفصل عن الحكومة من الناحيتين الإدارية والمؤسساتية.
*باحث إيراني في علم الاجتماع.
** أستاذ اللغة الفارسية وباحث في الدراسات الإيرانية والمقارنة (كلية الآداب بالجديدة).

http://www.hespress.com/international/228091.html





تقييم الصحافة الإيرانية لتوغل "داعش" في العراق
تقييم الصحافة الإيرانية لتوغل "داعش" في العراق
أحمد موسى
الثلاثاء 24 يونيو 2014 - 16:29
كتب صادق خرازي، كبير مستشاري الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي وسفير إيران لدى منظمة الأمم المتحدة في فترة رئاسته، في مقال نشرته الجريدة اليومية الإيرانية "شهروند" حول ما يجري من أحداث في العراق، في عنوان عريض : [ماذا تريد "داعش" في الشرق الأوسط ؟] قائلاً : السؤال الرئيس فيما يتعلق بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" هو عن ماذا يبحث هذا التنظيم في الشرق الأوسط، وبأية خلفية اجتماعية ؟ ".
واعتبرت هذه الجريدة ضمن إشارتها إلى التربة التي ترعرع فيها تنظيم "داعش"، أنّ هذا الأخير ظهر كنتيجة طبيعية للارتباط الذي حصل بالتدريج بين قوى حزب البعث وقوى الركن الثاني في جيش العراق، والحرس الجمهوري وتنظيم القاعدة، وأكدت هذه الصحيفة أنه على رغم استعمال الدولة الإسلامية في العراق والشام لأدبيات ورموز القاعدة، إلا أن قادتها لم يقبلوا فتاوى زعيم القاعدة أيمن الظواهري، على الأقل منذ سنة 2013، بل أكثر من ذلك رفضوها في بيان رسمي أعلنوه.
ويؤكد صادق خرازي في هذا المقال على أن "داعش" هو ظاهرة ذات بعد إيديولوجي عربي سلفي وقومي بعثي بالكامل، مسلح بآليات غاية في الخطورة، يريد أن يربط فكره بالشعور العام". يقول في هذا الصدد : (ما يقلق "داعش" هو رجوع تركيا إلى العصر العثماني وتنامي قوة إيران، وهو الأمر الذي دفع بهذا التنظيم للقيام برد فعل عسكري قصد مواجهة الشعور القومي المتنامي لدى الدولتين"، وهو الآن، يريد "نشر هذا النوع من الفكر "الداعشي" ببعده الإيديولوجي السلفي العربي الراديكالي من أجل خلق معارضة وتنظيم صفوفها).
وأضاف الدبلوماسي الإيراني السابق في المقال نفسه : "وفي كلام مختصر فإن بقايا حزب البعث في سوريا والعراق بالتنسيق مع العناصر العسكرية والأمنية الموجودة في الحزبين، وبدعم من السعودية وبعض دول المنطقة، جعلت من "داعش" ظاهرة مرعبة للغاية، وهؤلاء المقاتلون أعلنوا أكثر من مرة في مواقعهم أن الحرب الحقيقية سوف تدور رحاها بعد فتح دمشق وبغداد".
وبإشارته إلى أن "داعش" بعد أحداث سورية تريد نقل التوترات وحالة الفوضى وعدم الاستقرار إلى العراق، يضيف صادق خرازي أن تعاون بعض قادة جيش العراق مع "داعش"، اليوم، يدلل على أن البعثيين والسلفيين مازالوا فعالين وبمقدورهم جر المنطقة إلى أتون الويلات.
وأكد صادق خرازي أن جميع عمليات مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق والشام كانت منظمة وهادفة، ورغم تكبدهم للخسائر في الشام، فهم اليوم ينشطون بقوة أكثر في العراق.
أما جريدة "كيهان" فقد وصفت في عنوان عريض، تقدم تنظيم "داعش" في الأراضي العراقية بأنه سقوط في الفخ الأمني، وكتبت هذه الجريدة في عنوان بارز : "السيطرة على الموصل : وقوع "داعش" في المستنقع الأمني".
وأضافت هذه الجريدة : "هناك العديد من الأخبار القادمة من العراق تفيد بتعبئة وتجميع القوات للقضاء على وجود "داعش" في العراق". لكن بعض الخبراء العسكريين مثل عبد الكريم الجبوري، الضابط العراقي المتقاعد، يعتقدون أنه لا ينبغي على الجيش التسرع في تطويق وشل الإرهابيين، لأن أي حركة غير موزونة من شأنها الإجهاز على معنويات الجيش العراقي".
وكتبت "كيهان" في نفس السياق : (وبعض المراقبين العسكريين ذهبوا أبعد من ذلك حينما قالوا أن تنظيم "داعش"، باستيلائه على الموصل، فقد وضع نقطة النهاية لتواجده في المنطقة، واعتبروا هجوم هذه المجموعة سقوطاً في الفخ).
وأضافت الصحيفة أيضاً أنه ينبغي الانتباه إلى أن تطهير مدينة كبيرة من حجم الموصل ذات المليونين نسمة من الإرهابيين عمل صعب، ولا ينبغي توقع حل هذه المعضلة في بضعة أيام ولو كانت المجموعات المقاتلة ضعيفة.
هل سيمتد طوفان "داعش" ليغرق إيران ؟
تطرقت جريدة "شهروند" في مقالها ليوم الخميس تحت عنوان [هل سيعمّ هذا الطوفان المنطقة بأكملها ؟] لتحليل موقف إيران تجاه توغل هذا التنظيم في أرض حليفتها العراق، وكتبت في هذا الصدد : "حصل الإرهاب، ووقع العنف وبرز التشدد الديني، تنظيمٌ لم يكن أكثر وضوحاً في المنطقة أكثر مما هو عليه اليوم، وخاصة في المناطق الحدودية مع إيران".
وأشار متين مسلم، الخبير الإيراني في السياسة الخارجية في مقاله هذا إلى بعض الأحداث التي وقعت في شرق إيران، في الآونة الأخيرة كالهجمات المحيّرة لطالبان باكستان على مطار كراتشي، وتوسع العمليات الإرهابية لطالبان في أفغانستان، وتبادل إطلاق النار في الحدود المشتركة بين إيران وباكستان، والتي لم تلق متابعة إعلامية تذكر.
وكتب محلل هذه الجريدة يقول : "وفي غرب إيران، في العراق، وبعد الهجمات الدامية لإرهابيي "داعش" على مدينة سامراء، أثار الخبر المحيّر والصادم لسقوط مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى، في يد هذه المجموعة وسعيهم للاستيلاء على مناطق أخرى بشنهم هجمات على محافظة صلاح الدين، أثار دهشة الجميع وصدمتهم.
ويضيف المحلل السياسي لجريدة "شهروند" أن هذه بعضٌ من المخاطر المشهودة والملموسة في حدود إيران التي تدق ناقوس الخطر. وحتى في زمن حكومة صدام حسين في العراق وطالبان في أفغانستان لم تعرف إيران مثل هذه المخاطر. وبتعبير أوضح أقول أن الأمن القومي الإيراني، اليوم، يواجه تحدياً إرهابياً مباشراً وخطيراً لم يسبق لإيران أن واجهته من قبل.
وبإشارته لهذه المتغيرات يتابع المحلل السياسي قوله : "لمواجهة الإرهاب الإيديولوجي المنظم والعابر للحدود لا يمكن لإيران أن تستعمل نفس المعايير السابقة التي جربتها إلى حدود اليوم، لأن المسألة اختلفت بدرجات كبيرة".
ويتابع قوله : "وليس معلوماً ماذا حضّر المسؤولون السياسيون والأمنيون في إيران من خطط لمواجهة هذا الخطر الداهم، كما أننا لا نتوفر إلى الآن على تصريح رسمي بهذا الخصوص".
وكتبت جريدة "شهروند" : "إذا تقرر مواجهة هذه الظاهرة بنفس الصورة التي نراها في باكستان، فيجب القول أن هذه الرؤية ليست محسوبة العواقب وتشكل خطراً جدياً واستراتيجياً. ليست هناك حاجة إلى مجهر فالجرح مفتوح وقابل للمعاينة".
وكتبت ذات الصحيفة موجهة الخطاب إلى المسؤولين الحكوميين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية : "رجاءً لا تقترفوا خطأً حسابياً، ليس هناك ضرورة للمواجهة المسلحة الصعبة والمباشرة. وبدون الأخذ بعين الاعتبار الإجراءات الأخرى والترتيبات السياسية والدبلوماسية، فإن التوسل بالإجراءات العسكرية لوحدها ليس الحل الأنجع، وستؤدي إلى مخاطر ونتائج لا تحمد عقباها. لأن المعضلة الحالية هي الإرهاب العابر للحدود، وهي معضلة متعددة الأوجه وتشترك إيران فيها مع دول الجوار والمجتمع الدولي، وتحتاج معالجتها إلى إعداد دواء مركب".
وتقترح هذه المجلة اتخاذ إجراءات مشتركة مع المجتمع الدولي وكل الأطراف المعنية بمحاربة الإرهاب. وأكد كاتب هذا التحليل في جريدة "شهروند" أن طهران تعلم جيداً أنه إذا لم يتم اتخاذ التدابير الضامنة والشاملة وليست فقط المانعة، في الوقت المناسب، فإن أبعاد هذه الأزمة الخطيرة سوف تستعر بلهيبها المنطقة بأسرها".
ويرى المحلل السياسي في نهاية تحليله أنه ليس هناك من حل إلا من خلال التعاون والتنسيق بين طهران ودول المنطقة والمجتمع الدولي لمواجهة ظاهرة الإرهاب الإيديولوجي المنظم ".
*أستاذ اللغة الفارسية بجامعة شعيب الدكالي

وباحث في الدراسات الإيرانية والمقارنة

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

إيران ومرارة "فقدان العراق"

إيران ومرارة "فقدان العراق"
عرفت الجغرافية السياسية الإيرانية المعاصرة في نهاية العقد الأخير من القرن العشرين تغيرات تاريخية مشهودة، بدءاً بانهيار الإتحاد السوفييتي ثم تناسل كيانات سياسية جديدة في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى. واليوم، ومع تزايد احتمالات تفكك العراق وانقسامه إلى كيانات متعددة، تواجه إيران تحدياً جديداً.
لم يكن تعايش الإيرانيين إلى جانب العراق الموحد والمستقل بالأمر الهيّن بالنسبة للنفسية الفارسية، نظراً للعوامل التاريخية، إذ كان العراق على الدوام مطمع الملوك الفرس، وفي تاريخه القديم خضع العراق لسيطرة الفرس خلال مراحل متعددة، ولعلي أذكر هنا توسع حدود أول إمبراطورية فارسية على حساب الأراضي العراقية وضم "نينوى" عاصمة الآشوريين إلى نفوذ الدولة الفارسية. ثم توالت الحملات على العراق في عهد دول فارسية أخرى. لكن تخلي إيران اليوم عن العراق ووداعه له يشبه، إلى حد بعيد، عبور عقبة كأداء بالغة الخطورة.
إن انهيار العراق وتفككه، الذي يبدو اليوم احتمالا غير مستبعد التحقق، لهو أكبر تمظهر لتغيير خريطة الحدود، والذي يبدو أن شبحه قد يتجاوز العراق إلى المنطقة بأكملها.
إن انقسام الدول وتفككها إلى جزأين أو أكثر يعتبر دليلا على الهزيمة، لكنه لا يعد فاجعة في حد ذاته. ففي التاريخ القريب كانتا جمهوريتي التشيك وسلوفاكيا تعيشان في دولة مشتركة، وهي تشيكوسلوفاكيا، وتفككت هذه الأخيرة وانقسمت إلى دولتين دون أن تسيل قطرة دم واحدة أو يُهجّر مواطن واحد.
لكن الوضع في الشرق الأوسط يختلف كثيراً، لوجود بؤر توتر كثيرة يغذّي صراعها خلفيات تاريخية وحضارية وإثنية وطائفية.
تغيير الحدود :
على مر تاريخ التمدن الإنساني الذي يقدر بآلاف السنين، تعرضت الحدود التي كانت تفصل بين القوى والحكومات، إلى العديد من التغييرات. وواجهت الإمبراطوريات، التي كانت تعتقد بأبديتها وخلود دولتها، في مراحل تاريخية طويلة أو قصيرة، هزات عنيفة وانمحت عن الوجود، ولم يبق لها ذكر إلا في كتب التاريخ. والأمثلة على ذلك كثيرة يضيق المجال لسردها.
واليوم وصلت ظاهرة تغيير الحدود وتفكك الدول إلى منطقة الشرق الأوسط، وما الأحداث الدامية في سوريا والعراق إلا دليل على ذلك. وكان جزء كبير من هذه المنطقة خاضعاً لقرون طويلة لسلطة الدولة العثمانية. ومع نهاية الحرب العالمية الأولى انهارت الدولة، وتم تقسيم المنطقة وفق معاهدة سايس بيكو الشهيرة الموقعة سنة 1916م على قوتين أوروبيين هما بريطانيا وفرنسا تفاوضتا في مؤتمر سان ريمو (1920م) على تغيير خريطة المنطقة وتحديد مناطق النفوذ بينهما وخلق دول وكيانات جديدة.
إن الأزمة الدامية التي أرخت بظلالها على العراق وسوريا والتي من الممكن أن تمتد لتشمل دولا أخرى كلبنان، تنبئ بتغيرات حدودية قادمة لا محالة، وهذا يعني أن بقاء دولة العراق الموحدة بالحدود التي رسمها الدبلوماسيون الفرنسيون والإنجليز في العقد الثاني من القرن الماضي تحتاج إلى تحقق معجزة. فإقليم كردستان العراق يخطو بخطوات سريعة وواثقة نحو الاستقلال، وآفاق التعايش بين المكوّنين الطائفيين الرئيسين في العراق : السنة والشيعة، والتي كانت قبل وقوع هذه الأحداث وقبل التمكين لحكومة المالكي الطائفية، آفاقاً صعبة إلا أنها كانت ممكنة، باتت اليوم، في ظل المتغيّرات الطارئة، بعيدة المنال، وأشبه بحلم منه إلى أمنية قابلة التحقق. وأن يقوم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" بخلق حاضنة وبيئة لدولته تنطلق من سوريا وتصل إلى العراق دون اعتبار للحدود الرسمية الفاصلة بين الدولتين، لهو أمرٌ غاية في الأهمية وله دلالاته.
إن تفكك العراق الموحد إلى ثلاث دول مستقلة : دولة الشيعة ودولة السنة ودولة الأكراد، يعرّض بكل تأكيد الجغرافيا السياسية الإيرانية إلى وقوع تغييرات. لأن قيام ثلاث دول في الحدود الغربية والجنوبية الغربية لإيران، عوض دولة العراق الحالية، ربما قد لا يكون في حد ذاته أمراً فظيعاً بالنسبة لإيران. لأننا لاحظنا في الأمس القريب، بعد انفراط عقد الاتحاد السوفييتي، نشوء ثلاث دول جديدة على حدود إيران الشمالية، وهي جمهوريات أرمينيا وأذربيجان وتركمنستان. وهي دول بعضها يختلف مع إيران من حيث الدين وبعضها من حيث المذهب...ومع ذلك لم يحدث شيئاً يُذكر.
لكن الأمر الذي سيصيب إيران بالذعر والرعب، هو قيام دولة في فضائها الجيوسياسي، على أسس فكرية تتبنى مشروع "داعش". لأن هذا المشروع سوف لن يكتفي بالجهاد ضد "القوى غير الشرعية" في نطاق الحدود الوطنية، بل إن "داعش" تسعى إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط بأسرها، وأهم حاجز يمنعها من تحقيق مشروعها هذا هو تواجد الشيعة في العراق وسوريا ولبنان، وبالأخص في إيران. ويُعتبر "تطهير" الشرق الأوسط من التواجد "الصفوي" من أجل الرجوع إلى "العصر الذهبي" للإسلام في صلب فكر المدرسة الجهادية لـ"داعش". واللافت للانتباه هو تجاوب آلاف الشباب المسلمين القادمين من بلدان أوروبية وغير أوروبية مع دعوة الجهاد وإقدامهم على التضحية بأنفسهم في سوريا والعراق نصرة لهذه الإيديولوجية.
إدارة الأزمة :
بالنظر إلى هذه المتغيّرات على الساحتين السورية والعراقية، وأيضاً الحضور القوي والواسع لحركة طالبان وحركات أخرى سنية مناوئة للشيعة في غرب إيران، فإن قيام كيان جديد معادٍ للشيعة ولإيران في حدودها المختلفة لا يمكن اعتباره أمراً بسيطاً. وإنه مما لا شك فيه، أن إدارة هذه الأزمة الجديدة تقتضي من الإيرانيين إحداث تغييرات كبيرة وجذرية في سياساتها الداخلية والخارجية، ولعل إحدى أهم هذه السياسات التي ينبغي وضع حد لها، سياسة العنصرية الطائفية وتهميش الأقليات المذهبية، وخاصة تهميش السنة في إيران.
إن الدولة الشيعية في إيران باستمرارها في سياسة تعميق الشرخ بين المواطنين الإيرانيين على أساس مذهبي وطائفي وإثني ولغوي، وحرصها على حفظ "الأبرتايد" المذهبي والسياسي إنما تخاطر بأمن البلاد ووحدته الترابية.
حذّر التقرير الذي أعده "مركز الأبحاث التابع لمجلس الشورى الإيراني" مباشرة بعد نشوب الأحداث الأخيرة التي يشهدها العراق، من (أنّ إحدى تداعيات سلطة "داعش" على أجزاء من العراق، الجارة الغربية لإيران، هي "انتشار حالة اللا أمن والتشدد والنعرات الطائفية في العراق وانتقال ذلك إلى إيران، مما سيشكّل تهديداً حقيقياً وسيخلق صراعات خطيرة داخل إيران. كما أن تقسيم العراق نتيجة نفوذ "داعش" يعتبر هو الآخر تهديداً لكافة أراضي إيران وللوحدة الترابية الوطنية. وإن توغل "داعش" في محافظة ديالى ووصوله إلى مناطق تبعد عن الحدود الإيرانية بحوالي ستين كيلومتراً من شأنه التمكين لهذا التنظيم من توسيع عملياته الإرهابية داخل الأراضي الإيرانية بسهولة تامة).
ويخلص مركز الأبحاث التابع لمجلس الشورى الإيراني إلى أن هذا الوضع الخطير يستلزم خلق أشكال جديدة من الائتلافات والتنسيقات لأجل "حماية أمن العراق ومحاربة الإرهاب". ويقترح مشاركة إيران الفعلية في ائتلاف يضم سائر الفاعلين الأساسيين، وعلى رأسهم أمريكا.
وبحسب هذا المركز، فإن الهدف من خلق هذا الائتلاف مع القوى المؤثرة في العراق، ومن جملتها الولايات المتحدة الأمريكية، هو التوصل إلى "تفاهمات أساسية بخصوص البنية السياسية والعسكرية والأمنية في العراق"، التي أبانت عن ضعف وهشاشة وانعدام كفاءة في امتحان "داعش". لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذا المقام، هو أليس من الأفضل تعميم هذه التوصية على دول أخرى في المنطقة وخاصة إيران، في ظل تعاظم كتلة النار التي يُخشى أن تلتهم جزءاً كبيراً من منطقة الشرق الأوسط، وعدم اقتصارها على العراق ؟ أليست إيران هي الأخرى بحاجة، وبنفس الإلحاح ولنفس الغرض، إلى إصلاح بنيوي لنظمها السياسية والعسكرية والأمنية التي تحكم علاقاتها الدولية ؟
http://www.hespress.com/writers/234626.html



&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&


ظلال عاشوراء على الملف النووي الإيراني

ظلال عاشوراء على الملف النووي الإيراني
تحل ذكرى تاسوعاء وعاشوراء على إيران هذه السنة في وقت تشرف فيه المهلة المحددة للمفاوضات النووية بين إيران ومجموعة 5+1 على الانتهاء. وقد كان لهذا التزامن صدى واضحاً على مستوى الملف النووي حيث تم تداوله في الكثير من مراسيم العزاء والاحتفاليات المتعلقة بشهر محرم وبذكرى عاشوراء. ولم يتجل ذلك فقط في انتقادات بعض المدّاحين وقرّاء المراثي الحسينية لما أسموه "عشاق التسوية مع العدو"، في إشارة منهم إلى الرئيس حسن روحاني ومؤديه، بل تعداه إلى تعليق لافتات عملاقة مضمونها ينتقد المحادثات الجارية بين إيران وأمريكا بخصوص المسألة النووية، ويصوّرها كأنها محادثات مع قاتلي الإمام الحسين في ساحة كربلاء يوم عاشوراء، في انتهال واضح من الثقافة المذهبية الشيعية.
وليس الإفادة من المفاهيم المرتبطة بعاشوراء الشيعية للإعراب عن موقف سياسي بالأمر الجديد في إيران، ذلك أن قادة الجمهورية الإسلامية دأبوا على هذا الأمر. ونستحضر في هذا المقام كلمة لآية الله علي خامنئي، مرشد الثورة، ألقاها السنة الماضية على أعضاء (هيأة مقاتلي الإسلام)، حيث قال : "كلُّ من يحب الإمام الحسين فهو يرتبط بالإسلام السياسي...فمن الخطأ أن يتوجس المرء من التطرق لقضايا الإسلام السياسي وهو في مأتم حسيني أو مجلس عزاء عاشورائي".
لكن ما يجعل من كيفية التوظيف السياسي للجناح المحافظ الحاكم لمراسيم شهر محرّم هذه السنة في إيران، شيئاً مختلفاً، هو تزامنه مع قرب الحسم في التوافق من عدمه بشأن ملف ثقيل وباهظ ومكلّف لإيران، ألا وهو الملف النووي. وهو الملف الذي بدأت المفاوضات بشأنه قبل أكثر من سنة، يبحث عن مخرج له داخلياً بتوظيف معجم مذهبي (شيعي).
وبالرجوع إلى التاريخ الإسلامي وإلى تجربة "صلح" الإمام الحسن بن علي مع معاوية بن أبي سفيان، فإنها تعتبر من جملة هذه التوظيفات المذهبية، لأنها تضع الكثير من المعتقدين بنظام الجمهورية الإسلامية في إيران في مقابل سؤال محوري : هل تتخذ الحكومة الإيرانية بشأن ملفها النووي مع الغرب صلح الإمام الحسن بن علي مع معاوية بن أبي سفيان أنموذجاً تحتذي به، أم تسلك طريق الحسين بن علي الثوري وترفض التسوية ؟ مع العلم أن كلاًّ من الحسن والحسين يعتبران إمامين معصومين لدى الشيعة.
ظل قيام الإمام الحسين على صلح الإمام الحسن :
لقد اعتبر الثوريون، الذين وصلوا إلى سدة الحكم بعد استقرار نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، كلمة "التسوية"، سُبّة منذ الوهلة الأولى، وكان من الطبيعي ألا يقبلوا بتجارب التسوية والصلح على شاكلة صلح الحسن بن علي مع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين. دأبت وسائل الإعلام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية على تمجيد أخلاق الإمام الثالث الحسن بن علي في مناسبة ذكرى مولده وذكرى استشهاده، لكنها لا تبدي تعلقاً وحماسة بسلوكه السياسي. وإن فعلت ذلك، فهي تصوره على أنه خيانة من أتباع الحسن دفعته مكرهاً إلى عقد الصلح مع معاوية.
نجد هذا في الوقت الذي تحفل فيه وسائل الإعلام الإيرانية بمناسبة وبغير مناسبة بالحياة السياسية للإمام الحسين بن علي. وهو الإمام الذي لم يستسلم للعدو ولم يقبل بالتفاوض والتسوية معه، وضحى بنفسه وأقربائه من أجل هدفه. فاتُّخذ رمزاً، وكان فعله وسلوكه السياسيين موضوع كتب عديدة ومحاضرات وندوات سياسية ومذهبية لا تعد ولا تحصى.
وقد حضرت رمزية الحسين الثورية بشكل لافت في خطب آية الله خامنئي ورسائله. وقد اعتبر، في محاضرة أثارت الكثير من اللغط في سنة 2001، أن تجربة الإمام الحسين ذهبت أبعد بكثير من تجربة أخيه الإمام الحسن، إذ قال : "اليوم لا أمريكا ولا من هو أقوى من أمريكا يستطيع أن يفرض على العالم الإسلامي حادثة مثل حادثة صلح الإمام الحسن. فلو مارس العدو هنا ضغوطات أكبر، سوف تتجدد حادثة كربلاء".
وكان مرشد الثورة الإيرانية قبل ذلك، قد سمّى سنة 2001 باسم الإمام الأول عند الشيعة، أي "سنة الإمام علي"، وهذه التسمية أوحت إلى الأذهان بأنه سيسمّي السنة الموالية باسم الإمام الثاني لدى الشيعة، أي "سنة الإمام الحسن"، لكنه لم يفعل، وسمّاها "سنة الإمام علي" مرة أخرى، ربما لتفادي التأويلات السيئة التي قد تحيط بهذه التسمية. ولم يصل دور تسمية "الإمام الحسن" حتى في السنة الموالية أيضاً، فتغاضى مرشد إيران عن هذه التسمية بالمرة، وذهب يقتفي آثار الإمام الثالث عند الشيعة، أي الإمام الحسين، فسمّى سنة 2003 "سنة العزة والفخر الحسيني".
وسابقاً، وقبل آية الله خامنئي، كان آية الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قد قال في معرض جوابه عن سؤال وُجه إليه بخصوص جهود الوساطة بين إيران والعراق خلال الحرب بينهما : "ذلك الصلح المفروض في عهد الإمام الحسن، وذلك الحكم المفروض في زمان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كلاهما كان بتدبير أفراد محتالين. وهذا ينبهنا بألا نقبل بصلح مفروض ولا نستسلم لحكم مفروض". وكان قد صرّح بهذا التصريح سنتين قبل موافقته على قرار مجلس الأمن رقم 598 الذي يقضي بوقف إطلاق النار بين إيران والعراق، والقبول عملياً بالصلح والتسوية.
انتقال الإمام الحسن من الهامش إلى المركز :
بالرغم من كل التجارب في السنوات السابقة، فإن أهم شخصية نقلت "نموذج الإمام الحسن" من عتمة الهامش إلى منطقة الضوء في السياسة الإيرانية، كان هو شخص آية الله خامنئي، حدث ذلك في موضوع الملف النووي.
مرشد إيران صرّح قبل أسبوع واحد من سفر رئيس بلاده حسن روحاني إلى نيويورك بما كان يصرّح به في السنوات السابقة، أنه معتقد بـ"المرونة البطولية". وهي إشارة واضحة إلى عنوان كتابٍ كان هو نفسه قد ترجمه من العربية إلى الفارسية يحمل عنوان (صلح الإمام الحسن، أعظم مرونة بطولية في التاريخ) للشيخ راضي آل ياسين.
وكانت إشارة قائد الجمهورية الإسلامية إلى "المرونة البطولية" للإمام الحسن كافية لعودة وسائل الإعلام الإيرانية لتسليط الضوء على هذا الإمام. وتبع ذلك جدل واسع بين السياسيين وتعددت التأويلات لتصريح مرشد الثورة. ما حذا به إلى بيان وتوضيح قراءته لصلح الإمام الثاني عند الشيعة، بكونه تكتيكاً يهدف إلى "الإطاحة بالعدو".
وقبل أيام قليلة نشر أحد المواقع المقرّبة من الحرس الثوري الإيراني موضوعاً يقارن فيه كاتبه بين تجربة الإمام الثاني (الحسن) والإمام الثالث (الحسين)، وهو يعكس صعوبة الاختيار بين النموذجين عند الشيعة. ويختم الكاتب موضوعه بسؤال مفتوح، وهو : هل نحن في موقع مشابه لموقع الإمام الحسن حتى نُجبر على قبول التسوية المفروضة ؟ أم أنه لم يبق شيء نضيّعه ويجب أن نثور على الاستكبار العالمي وأزلامه في الداخل ثورة حسينية ؟
يبدو أن فهم المحافظين الحاكمين في إيران للتسوية النووية يرتبط بشكل كبير بطبيعة الجواب على هذا السؤال. وهو هل أن الوضع القائم في إيران وصل فعلياً إلى حدٍّ "لم يبق فيه شيء يُضيّع" ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

نظرية "اقتصاد المقاومة" .. عند المرشد الإيراني

نظرية "اقتصاد المقاومة" .. عند المرشد الإيراني
نظرية "اقتصاد المقاومة" ومرتكزاتها عند مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية
"اقتصاد المقاومة" أو "الاقتصاد المقاوم" هي إحدى النظريات الجديدة التي طرحها مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي كحل من الحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية العويصة التي يتخبط فيها اقتصاد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
يُعتبر النمو والتقدم الاقتصادي وامتلاك اقتصاد قوي من الدعامات الرئيسة لأية دولة تسعى إلى لعب دور محوري على الساحة الإقليمية والدولية. فالقوة والنفوذ الاقتصاديين، اليوم، يعدّان من الآليات الحاسمة والوسائل الضرورية لترويج ثقافة بلد معيّن ونشر معتقداته وبسط سيطرته ونفوذه. لأن العديد من البرامج والاستراتيجيات الثقافية تحتاج إلى تمويلات مناسبة. ولابد لمثل هذه التمويلات من اقتصاد قوي وصلب. لذلك اعتُبرت نظرية "اقتصاد المقاومة"، إيرانياً، من الحلول الناجعة للمشكلات الراهنة، ولكن أيضاً، من أساسيات بناء صرح اقتصادي قوي مستقبلياً. طُرحت هذه النظرية، التي تداولتها وسائل الإعلام والرأي العام الإيراني وغير الإيراني على نطاق واسع خلال الآونة الأخيرة، لأول مرة، من طرف مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي. لذلك سنسعى في هذه السطور إلى تسليط الضوء على هذه النظرية وتحليل مرتكزاتها استناداً على كلمة القائد العام للثورة الإسلامية الإيرانية.
نظرية "اقتصاد المقاومة" [الاقتصاد المقاوم]
يمكن اعتبار هذه النظرية أنموذجاً محلياً وعملياً يستحضر التغييرات الإقليمية المحيطة بإيران، ويستشرف المستقبل برؤى بعيدة المدى، ويتمتع بمرونة تجعله قادراً على التكيّف مع الظروف والأحوال المختلفة والمتغيّرة، أو بعبارة أخرى، هي نظرية "الاقتصاد المتكيّف"، خصوصيتها البارزة هي أنها تنبني على التوافق في تحديد ماهيتها وتعيين لزوميتها على مستوى النخب الحاكمة. هكذا يحدد الإيرانيون معالم نظرية "الاقتصاد المقاوم". فهي، بحسبهم، نموذج محلي وعلمي يصدر عن ثقافة الثورة والإسلام (الإيراني). وتتلاءم مع وضعية إيران حالياً ومستقبلاً...وهي ليست حبيسة الأفق الزمني الضيق، فهي تدبيرٌ بعيد المدى لاقتصادٍ إيراني قوي وحيوي في الآن نفسه. يوضّح علي خامنئي هذا التحديد قائلا : "إننا لا نضع هذه السياسات في إطار مغلق وجامد ومتحجّر، بل هي قابلة للتكميل، ولها قابلية التطابق والتأقلم مع الظروف المختلفة التي قد تطرأ في أي وقت وحين". ويضيف مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران : "فعمليّاً، تجعل من الاقتصاد الإيراني اقتصاداً مرناً، أي أنها تقوّي مناعة اقتصاد البلاد في مقابل الضربات والرجّات المختلفة. هذا النموذج أُعدّ بفضل جهود وتعاون شخصيات نافذة البصيرة، وبالتنسيق مع مجلس تشخيص مصلحة النظام، وبحضور رؤساء السلط الثلاثة والمسؤولين الكبار. وفي واقع الأمر، يعتبر التوافق إحدى حسنات هذا النموذج" (مقتطفات من كلمة مرشد الثورة الإيرانية في جلسة عرض سياسات الاقتصاد المقاوم المنعقدة بتاريخ 11 مارس 2014).
مؤشرات الاقتصاد المقاوم :
بعد تعريفه لماهية الاقتصاد المقاوم يحدد مؤشراته في قوله : "المسألة الأولى هي خلق الحيوية والنشاط في اقتصاد البلاد وتحسين مؤشراته الكبرى. والثانية القدرة على مقاومة العوامل المهدّدة. والثالثة الاعتماد على القدرات المحلية. والمسألة الرابعة هي المنحى أو العقيدة الجهادية. والخامسة مركزية العنصر البشري أو الحاضنة الشعبية. والقضية السادسة تأمين المواد الأساسية والإستراتيجية. والسابعة تقليص تبعية الاقتصاد للنفط. والموضوع الثامن إصلاح نمط الاستهلاك. والأمر التاسع محاربة الفساد، والعاشر، وهو الخيط الناظم للسياسة المقاومة، وهي مسألة المحورية العلمية". (مقتطفات من كلمة مرشد الثورة الإيرانية في جلسة عرض سياسات الاقتصاد المقاوم المنعقدة بتاريخ 11 مارس 2014).
تحسين المؤشرات الاقتصادية :
هناك مؤشران أساسيان ينبغي أخذهما بعين الاعتبار، معاً، في سبيل تحسين السياسات الاقتصادية الكبرى لإيران، وهما النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. الأول يبتغي خلق دينامية ونشاط في الاقتصاد الإيراني وتجويد المؤشرات الرئيسة، من قبيل رفع نسبة النمو الاقتصادي، ورفع الإنتاج الوطني، وخلق فرص الشغل، وتقليص نسبة التضخم، والرفع من الإنتاجية ومن الخدمات الاجتماعية. والأهم من كل ذلك مؤشر العدالة الاجتماعية. بمعنى أن تحسين مستوى الاقتصاد الإيراني غير متاح بدون تأمين العدالة الاجتماعية. فهناك دول تملك مؤشرات جيدة، ونسبة النمو الاقتصادي فيها جد عالية، لكنها تعاني من التمييز والاختلاف الطبقي وانعدام العدالة. وهذا الأمر لا تبتغيه إيران ولا يتماشى مع المرجعية الإسلامية وأهداف الثورة الإسلامية. لذلك يؤكد رأس هرم السلطة في إيران على أهمية مؤشر العدالة الاجتماعية.
مواجهة العوامل المهدّدة :
يؤكد خامنئي على أنه ينبغي التفريق بين مفهومين اثنين : الارتباط باقتصاد الدنيا، والتبعيّة للاقتصاد العالمي. فالاقتصاد القوي والحيوي لابد أن يرتبط بالاقتصاد الدولي، لكن عوض التبعيّة يجب الحفاظ على الاستقلالية، بمعنى أنه يتعيّن التمركز حول الإمكانيات الذاتية والتمحور حول القدرات الداخلية والعمل على تقويتها بحيث تصبح قادرة على تحمّل الرجّات الخارجية من قبيل العقوبات وصد الأزمات الاقتصادية.
الاعتماد على القدرات والكفاءات الداخلية :
يجب الإفادة من القدرات الداخلية والخارجية بنفس القدر وفي نفس الآن، لكن وفق هذه النظرية يجب الاعتماد أكثر على الذات. يوضّح ذلك علي خامنئي في قوله : "نملك كفاءات وقدرات مهمة : علمية وإنسانية وطبيعية ومالية وجغرافية وإقليمية، وفي سياسات الاقتصاد المقاوم يجب الاتكاء على هذه الإمكانيات الذاتية، والتي هي واسعة جداً. لكن ذلك لا يعني التغاضي عن الإمكانات الخارجية، يجب طبعاً الإفادة منها، بقدر كبير، إنما اعتمادنا وتطلّعنا يكون، بشكل مركز، على القضايا الداخلية"
العقيدة الجهادية في مجال الاقتصاد :
يشرح علي خامنئي الجهاد بأنه حركة أسرع من الحركة المتوسطة التي يقوم بها الإنسان في الظروف العادية. بعبارة أخرى، فالجهاد يعني الاستفادة القصوى والمطلوبة والإلهية في أفق تحقيق الأهداف المرجوّة. يقول : "لا يمكن التقدم بالحركة العادية، لا يمكن إنجاز أعمال ضخمة وكبيرة بالحركة العادية والرتيبة المتكاسلة وغير الحسّاسة. يجب التمتّع بهمة جهادية، فالحركة الجهادية والإدارة الجهادية ضرورية لإنجاز هذه الأعمال. فينبغي أن يكون تحركنا موحداً وعلمياً ومقتدراً ومبرمجاً وجهادياً".
الارتكاز إلى الحاضنة الشعبية :
يؤكد مرشد الثورة الإيرانية على أهمية حضور العنصر البشري ومحوريته في الاقتصاد المقاوم. فيقرر أن : "التجربة أثبتت والوثائق والمعارف الإسلامية أكدت أنه كلّما حضر العنصر البشري حضرت البركة الإلهية. فيد الله مع الجماعة. فأينما كان الشعب تكون العناية الإلهية والعون والدعم الربانيين. علامة ذلك البارزة، الحرب الإيرانية العراقية. فالحكومة معنية بتهيئة الأرضية لحضور الشعب وإرشاده إلى المواطن التي يمكنه فيها تفجير قدراته، ومعنية أيضاً بدعم المواطنين، وهذه هي مسؤوليتها الأساسية"
تأمين المواد الأساسية والإستراتيجية :
المواد الإستراتيجية كما يراها علي خامنئي، هي التي بفقدها تنحدر البلاد إلى أسفل الدركات، لذا يتعيّن على الحكومة أن تجعلها في سلم أولوياتها. يشير إلى ذلك بقوله : "في المرتبة الأولى تأتي المواد الغذائية والأدوية. إذ يتحتّم على الإنتاج الداخلي لهذين العنصرين في البلاد أن يكون بوتيرة لا تسمح بالوقوع في أزمة، تحت أي ظرف من الظروف. وهذا من المرتكزات الأساسية لهذه النظرية. يجب أن نصل إلى الاكتفاء الذاتي، وأن ينصب التركيز على المجالات التي توفر هذا الاكتفاء بشكل كامل".
تقليص الاعتماد على عائدات الموارد النفطية :
الاتكال على البترول هو يعني، حسب آية الله خامنئي، التبعية للاقتصاد العالمي، لذلك فإن أي تغيير سلبي في سوق الذهب الأسود ينعكس سلباً على البلاد، ويمكنه أن يلحق أضراراً جمة بالاقتصاد الإيراني. يقول في هذا الصدد : "إحدى أصعب الأضرار الاقتصادية التي تصيب بلدنا هي هذه التبعية للبترول. فهذه النعمة الإلهية الكبيرة في وطننا باتت خلال العقود الأخيرة مصدر انهيارات اقتصادية وتصدعات سياسية واجتماعية. ينبغي علينا أن نتدبّر الأمر جيداً. نحن لا ندعو إلى الاستغناء عن موارد البترول، إنما يجب أن يكون اعتمادنا على الحد الأدنى من مبيعات خام البترول. فبالإمكان توفير البترول كمنتج"
إصلاح نمط الاستهلاك الوطني :
نمط الاستهلاك السليم يعني الاستفادة المثلى من الموارد، هكذا يوضّح مرشد الثورة في إيران نظرته للاستهلاك في بلده ويحدد معالمه، حيث يقرر : "مسألة الاقتصاد وعدم التبذير والإسراف، واجتناب أداء تكلفة النفايات. الخطاب في هذا المقام موجه بالدرجة الأولى إلى المسؤولين. فعليهم أن يبتعدوا عن أسلوب التبذير والتضييع في مجالات عملهم ومسؤولياتهم بدرجة أولى وفي حياتهم الخاصة بدرجة ثانية. فلو عمل المسؤولون بهذه القاعدة وتحلوا بهذه الخصلة، فإن هذا النموذج سينعكس على عموم الناس"
محاربة الفساد :
الأمن الاقتصادي مرتبط بمحاربة الفساد، وإذا كانت البيئة الاقتصادية نظيفة وسليمة فإن الاستثمارات ستتقاطر على البلاد، هذا ما يؤكده علي خامنئي في المرتكز التاسع لنظريته في "الاقتصاد المقاوم"، حيث يقول : "لو أردنا جلب الناس إلى ساحة الاقتصاد، فينبغي أن تكون هذه الساحة سليمة وآمنة. وإذا أردنا تحقيق الأمن الاقتصادي فيجب سد المنافذ على المفسدين والمستغلين والمتلاعبين بالقانون والخارجين عليه. محاربة الفساد تعني هذا. ويجب تحري الجدية في هذا الأمر. والشفافية مفتاح محاربة الفساد. يجب خلق جو من المنافسة وضمان الاستقرار، هذا ما سيجلب المستثمر ويشعره بالأمان"
التمحور حول العلم والتخصص :
التمحور حول العلم في الاقتصاد يعنى إعطاء الأولوية للقوى المتخصصة في مجال الإنتاج. يفسّر ذلك آية الله علي خامنئي بقوله : "أهم بنية تحتية اقتصادية لأية دولة وجود العنصر البشري النشط. لو انتبهنا لهذا المرتكز العاشر وأوليناه الأهمية التي يستحق، فإن عجلة العلم ستدور حتى تحصد الثروة، وخاصة في القطاعات التي لها ميزة. وهذا حاصلٌ في الاقتصاد المقاوم".
المرجع :
كلمة مرشد الثورة الإسلامية في إيران خلال جلسة طرح نظرية "الاقتصاد المقاوم" المنعقد بتاريخ 11 مارس 2014.
الموقع الإخباري على شبكة الانترنت "بصيرت"
http://www.hespress.com/writers/252892.html

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

موسى: هذا المسار المتذبذب لتاريخ علاقات المغرب وإيران

موسى: هذا المسار المتذبذب لتاريخ علاقات المغرب وإيران
يستعرض الدكتور أحمد موسى، أستاذ اللغة الفارسية وآدابها في كلية الآداب بالجديدة، وباحث متخصص في الدراسات الإيرانية، تاريخ العلاقات المغربية الإيرانية الذي اتسم، على العموم، بمسار متذبذب، تميّز بالثبات والتوافق زمن الشاه، وطبعته القطيعة ثم الانفراج، ثم القطيعة ثم الانفراج زمن الجمهورية الإسلامية.
وخصص موسى هذا المقال، الذي توصلت به هسبريس، بمناسبة استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإيران، بعد قطيعة دامت خمس سنوات، وبمناسبة تخليد إيران خلال هذه الأيام، للذكرى السادسة والثلاثين لقيام نظام الجمهورية الإسلامية.
وفيما يلي نص مقال أحمد موسى كما ورد إلى الجريدة:
عُرِف المغرب منذ القدم بنسج علاقات الصداقة والأخوة مع بلدان وكيانات دولية في مختلف قارات العالم، وخاصة مع دول تجمعها به قواسم مشتركة كالدين واللغة والتاريخ وغيرها. وبلاد فارس، إيران حالياً ، لم تكن بدعاً من هذه الدول، فقد ارتبط المغرب معها بعلاقات قديمة، شهدت مساراً متعرّجاً. وتجدر الإشارة إلى أنه رغم ما لهذا الموضوع من أهمية قصوى في تاريخ البلدين القديم والحديث، فإنه لم يحظ بما هو مطلوب من الدراسة والبحث من لدن المغاربة والإيرانيين على حد سواء، اللهمَّ إلا إذا استثنينا بعض الدراسات والكتابات التي -على أهميتها وسبقها وعمقها- تبقى قليلة، بالنظر إلى التاريخ الحضاري الكبير للبلدين. ولو أردت الإشارة إلى من لامس من المغاربة هذا الموضوع في أبحاثه، فلا بد أن أذكر بعض الأسماء الوازنة، وهم أساتذة كبار أسسوا لمفهوم الدراسات الإيرانية في المغرب في وقت مبكّر ومنذ عقود، منهم الأستاذ المرحوم محمد بن تاويت والأستاذ المرحوم عبد اللطيف السعداني والأستاذ والمؤرخ والدبلوماسي عبد الهادي التازي، وثلة من الأساتذة والباحثين الذين، على قلّتهم، ما زالوا يثرون الساحة ببعض الدراسات والكتابات والتحليلات.
أهمية المغرب بالنسبة لإيران:
يقع المغرب في منطقة تعتبر، بالنسبة لإيران، من أهم المناطق التي تحظى بالأولوية في السياسة الخارجية الإيرانية، وذلك بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي الذي يحتله، لكونه يعتبر مدخلاً لنفوذ إيران في القارة الإفريقية. ويحظى المغرب أيضاً بخصوصيات ثقافية تثير إعجاب أصحاب القرار في طهران. ويمكن تحديد أهمية المغرب بالنسبة لإيران في الجوانب التالية:
- الموقع الجيوسياسي الحسّاس للمغرب في شمال غرب إفريقيا، وتشكيله لحلقة الوصل بين القارتين الأوروبية والإفريقية.
- المغرب ملتقى الحضارات المتنوعة، الإسلامية والأوروبية.
- المغرب صاحب ثقافة عريقة وإرث حضاري غني، على اعتبار أنه وارث حضارة الغرب الإسلامي في العهد الأندلسي.
- المغرب من الناحية الفكرية والدينية كان، منذ القدم ولازال، موطن تلاقح الأفكار وتحاور المذاهب الفكرية والفلسفية في العالم الإسلامي.
- للمغرب وإيران مشتركات ثقافية وتاريخية تتمثل في طرز العمارة والمعمار والمدن المتشابهة في كل من البلدين (حسب وجهة النظر الإيرانية).
- والأهم مما ذُكر، فإن المغاربة معروفون بحب آل البيت وتعلقهم بالدوحة النبوية الشريفة. وهو أمر متأصل في النفسية المغربية منذ أن سمت بالدين الإسلامي. والإيرانيون يولون أهمية خاصة لهذا الجانب، ويراهنون على هذه الخصيصة لتوطيد حضورهم في المغرب.
الروابط بين المغرب وبلاد فارس:
تعود أولى شواهد سفر الفرس إلى أرض المغرب وسواحله إلى عهد الملك الإخميني داريوش الثالث (380-330 ق.م)، حيث أبحرت سفينة إيرانية تجاه المغرب وسواحل السنغال . وبعد هذه الواقعة، تواترت تقارير عن سفر أبناء بلاد فارس إلى هذه المنطقة. ففي القرون الإسلامية الأولى هاجر الكثير من أهالي خراسان والأحواز وشيراز وبم وكرمان والسواحل الجنوبية للخليج العربي إلى هذه البلاد . وكان عبد الرحمن بن رستم مؤسس الدولة الرستمية الإباضية في الجزائر واحداً منهم. والرستميون، سلالة من الخوارج الإباضية، حكمت في بلاد المغرب (الجزائر وتونس وليبيا) بين 160-296ﻫ، مقرها كان مدينة تاهرت أو تيهرت، وتسمى اليوم تيارت في الجزائر. تعد الدولة الرستمية ثاني دولة مستقلة تتأسس في المغرب الإسلامي بعد إمارة قرطبة في الأندلس، ونشأت الدولة على يد الأمير عبد الرحمن بن رستم فرّخزاد، وهو من سلالة فارسية.
وتُجمع كتب التاريخ التي ألفها الإيرانيون حول المغرب، والغرب الإسلامي عموماً، على أن المعتقدات الإيرانية والدعوة الشيعية وصلت إلى المغرب في وقت مبكّر، أي مع تأسيس دولة الأدارسة، التي تعتبر من منظور الإيرانيين دولة شيعية ، متحت من الثقافة الفارسية وتأثرت بها أيما تأثر .
العلاقات الدبلوماسية المغربية الإيرانية قبل الثورة الإسلامية:
كانت العلاقات الديبلوماسية بين إيران والبلدان الإفريقية قبل الثورة الاسلامية محدودة ومفتقدة للدينامية والتطور، ونتيجة لذلك، كان عدد التمثيليات السياسية الإيرانية في هذه القارة محدوداً أيضاً، والدليل على هذا الأمر أن عدد المعاهدات المبرمة بين إيران والدول الإفريقية خلال هذه الفترة بلغ ستين معاهدة. في حين بلغ عدد الاتفاقيات المبرمة مع الاتحاد السوفيتي وحده، في نفس الفترة، خمسة وثمانين اتفاقية.
كانت دوافع النظام البهلوي السابق في ربط العلاقات الدبلوماسية مع الدول الإفريقية تتلخص في ثلاثة عوامل : (أ) علاقات شاه إيران الشخصية والصداقة التي كانت تربطه ببعض القادة الأفارقة. (ب) التوافق في السياسات والتطابق التام في التوجهات المرتبطة بالغرب بين الحكومة البهلوية الإيرانية وبعض الدول الإفريقية. (ج) الأهمية الاستراتيجية لبعض البلدان الإفريقية.
خلال سنة 1956، سنة حصول المغرب على الاستقلال، تلقى السلطان محمد الخامس دعوة رسمية من شاه إيران لزيارة بلده، إلا أن القدر لم يمهله ووافته المنية دون أن يقوم بالزيارة. لكن العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإيران ستبدأ بعد استقلال المغرب، وذلك شهر دجنبر من سنة 1957، حيث افتُتحت السفارة الإيرانية في الرباط. وشهد عقد الستينيات ارتقاء ملحوظاً في علاقات البلدين وتبادلاً مستمراً للزيارات بين مسؤولي الدولتين.
كانت تربط شاه إيران بالملك الحسن الثاني علاقة صداقة حميمة. وبتاريخ 14 يونيو 1964 قام محمد رضا بهلوي مرفوقاً بعقيلته بزيارة إلى المغرب قادماً إليها من الولايات المتحدة الأمريكية. وبتاريخ 12 أبريل 1968 قام الملك الحسن الثاني بدوره بزيارة إلى طهران. وخلال نفس السنة سيزور شاه إيران وزوجته فرح ديبا المغرب مجدداً. وبعد سنة من هذا التاريخ، أي في شهر شتنبر من سنة 1969 سيقوم الشاه بزيارة أخرى للمغرب، لكن هذه المرة بقصد المشاركة في أعمال أول مؤتمر لقادة العالم الإسلامي انعقد بالرباط. كما اطردت وتوالت زيارات وزراء البلدين ذهابا وإيابا.
وفي سنة 1962 تم افتتاح أول كرسي للدراسات الفارسية بجامعة محمد الخامس بالرباط.
خلال هذا التاريخ وقّع المغرب وإيران على الكثير من اتفاقيات التعاون بينهما، شملت المجالات السياسية والتجارية والثقافية والاقتصادية والفلاحية والعلمية والتقنية، وغطّت الفترة الممتدة من سنة 1966 إلى سنة 1974.
العلاقات المغربية الإيرانية في عهد الجمهورية الإسلامية:
لقد أحدثت الثورة الاسلامية في إيران سنة 1979 تحولاً جديداً في السياسة الخارجية للدولة. فمن منطلق ديني، جعل الساسة الإيرانيون إقامة العلاقات مع دول العالم الثالث ومن جملتها الدول الافريقية في مقدمة اهتماماتهم السياسية. وكانت هناك العديد من الدوافع لتحرك إيران الاسلامية في ربط العلاقات مع دول القارة السمراء. ولعل أبرزها الدافع الايديولوجي المتمثل في نشر المذهب الشيعي باعتباره –حسب وجهة النظر الإيرانية- فكراً ثورياً يحقق كرامة الانسان ويضمن الاستقلال للدول، والتعريف أيضاً بالثورة الاسلامية باعتبارها، برأيهم، منقذة من التبعية للإستعمار والميز العنصري.
وقد وضعت إيران إفريقيا نصب أعينها، وشرعت في إرسال الوفود السياسية والثقافية والمذهبية إليها واستقبال وفود هذه الأخيرة لإيجاد تقارب بين شعوبها وبين إيران.
سجّلت التمثيليات السياسية الايرانية ارتفاعاً كبيراً في وقت وجيز، بحيث انتقل عدد التمثيليات من 9 إلى 26 تمثيلية.
أما على مستوى المغرب، فقد بقيت العلاقات مستمرة إلى حين انتصار الثورة الإسلامية التي شهدت خلالها العلاقات بين البلدين مساراً متعرّجاً وغير ثابت وطالها الكثير من الاضطراب. فبعد تثبيت أركان الثورة في إيران، اختار شاه إيران المعزول المغربَ كمحطة للإقامة فيه، لكن هذا الخبر لم يكن ليروق الثوريين الجدد في طهران، فأثّر ذلك على العلاقات التي نحت منحاً تنازلياً استمر عدة شهور بعد استقرار النظام الجديد، إلى أن تم استدعاء سفيري البلدين، وتنزيل مستوى العلاقات إلى حدود القائم بالأعمال في شهر أكتوبر من سنة 1979. وبتاريخ 22 دجنبر 1980، وعلى خلفية حلول شاه إيران محمد رضا بهلوي بالرباط قادماً إليها من مصر، وأيضاً بسبب مشاكل أخرى، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية قطع كل العلاقات السياسية والدبلوماسية مع المغرب بعد سنتين من التجاذب. وهو الخبر الذي أكده المسؤولون المغاربة.
إلاّ أن تأييد إيران الإسلامية لجبهة البوليساريو ودعمها ضداً على الوحدة الوطنية المغربية جرّ اعتراض المغرب على إيران. ومع بداية الحرب الإيرانية العراقية ووقوف المغرب بجانب العراق سقطت العلاقات بين البلدين في ورطة كبيرة.
يقول الباحث العراقي الدكتور محمد الجنابي عن مواقف الملك الحسن الثاني من الحرب الإيرانية العراقية : "بعد العمليات الإيرانية التي أطلقت عليها اسم "كربلاء الخامسة" في مدينة حلبشة، ومع قرب سقوط البصرة وجنوب العراق في يد الإيرانيين، كان الملك الحسن الثاني من القادة الأوائل الذين بادروا، على الفور، إلى دعم صدام حسين، وأبدى استعداده لاستضافة القمة العربية في فاس. وسعى الحسن الثاني، خلال هذه القمة، إلى عقد الصلح بين ليبيا والعراق وسوريا والعراق. ورغم أنه لم ينجح في ذلك، إلا أنه نجح في جمع ملايير الدولارات لصالح العراق من أجل دعم القوات البرية العراقية التي تضررت كثيراً في هذه العمليات العسكرية" .
أدت كل هذه العوامل إلى وضع حد للعلاقات السياسية والدبلوماسية بين المغرب وإيران سنة 1980.
وفي عام 1991 قرر البلدان إعادة نسج العلاقات الدبلوماسية بينهما. ومع مجيء الرئيس محمد خاتمي وتسلمه دفة إدارة الأمور في إيران عرفت العلاقات الثنائية انفراجاً ملموساً، وتبادل مسؤولو البلدين الزيارات. وتُوّج هذا المسلسل بالزيارة الرسمية الرفيعة المستوى للوزير الأول المغربي الأسبق عبد الرحمن اليوسفي على رأس وفد ضخم في سنة 2001. وهي الزيارة التي أثمرت التوقيع على العديد من الاتفاقيات التي شملت مجالات متعددة، وهمّت على الخصوص الشق التجاري والاقتصادي.
وخلال هذه المرحلة نشطت السفارة الإيرانية في الرباط في تنظيم الأسابيع الثقافية والفنية وإقامة العديد من المعارض الفنية بمختلف المدن المغربية. كما شاركت دور النشر الإيرانية بكثافة في مختلف دورات المعرض الدولي للكتاب والنشر، بعرضها للكتب الفارسية، وبالأخص الكتب الدينية الشيعية.
وفي سنة 2009 في عهد الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد ستعرف العلاقات المغربية الإيرانية انتكاسة جديدة بإعلان المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران من جانب واحد بفعل تورّط العاملين في السفارة الإيرانية في الرباط في أنشطة نشر التشيع وسط المغاربة وزعزعة وحدة المذهب الرسمي للبلاد، بحسب الاتهامات الرسمية، الشيء الذي نفته إيران ورفضته. فضلاً عن ذلك، كان استدعاء سفير المغرب للحضور إلى وزارة الخارجية الإيرانية للاحتجاج على بيان وزارة الخارجية المغربية المساند لموقف البحرين تجاه إيران، عاملا آخر من عوامل استياء المغرب من إيران.
واليوم، نعيش مرحلة جديدة في تاريخ هذه العلاقات المترنّح، باستئناف الروابط الدبلوماسية، بعد اتصالات ومحادثات متتالية بين مسؤولي البلدين خلال السنة الماضية أكدوا فيها على ضرورة استئناف هذه العلاقات. وتعباً لهذه الدينامية شارك المغرب بأعلى تمثيليته في المؤتمر الأخير لوزراء الاتصال في العالم الإسلامي الذي انعقد في طهران.
وأخيراً، تُوّجت هذه الجهود بتعيين إيران سفيراً جديداً لها بالمغرب، وهو محمد تقي مؤيد الذي كان قد عمل سفيراً، قبل هذا الوقت، في تونس وهولندا واليونان. السفير الذي قدّم أوراق اعتماده لوزير الخارجية المغربي وباشر أعماله بسفارة بلاده في الرباط. في حين يُنتظر، في خطوة مماثلة، تعيين سفير مغربي بطهران.

ليست هناك تعليقات: