رواد الحركة النثرية الجديدة (عبد الرحمن العلوي)

تعتبر المرحلة المعاصرة من الأدب الفارسي مرحله النثر لما شهده النثر من ازدهار لم يسبق أن حققه من قبل على صعيد المضمون والأسلوب.
     لا يمكن إنكار ما لإيران من تراث أدبي عظيم وخليفة أدبية تمتد لآلاف السنين، حتى إنها تعد من أغني المصادر الأدبية في العالم. فقد كانت مركزاً لأدب قديم واسع مكتوب ومخلوط على يد نخبة فكرية وأدبية. وبرهنت الحركة الأدبية الإيرانية الحديثة عن أن النبوغ الأدبي الإيراني لم يقتصر على الأزمان المندثرة، فلازال هذا النبوغ فياضاً حتى اليوم يتجدد بتجدد الزمن ويبدع كلما دعت الحاجة إلى الإبداع. 
الفارسية بين الأخذ والعطاء :
     ورغم ما ينكره البعض على الفارسية كثرة المفردات العربية فيها، غير أن هذا لا يعد نقصاً في الفارسيه أبداً فاللغة الحية تأخذ وتعطي، وتتأثر وتؤثر، وتختار من المفردات ما يتناسب وحاجتها إليها لا أن تقتصر على مفرداتها القديمة، خاصة بالنسبة للغة الفارسية التي حدث فيها تطور هائل ربما يختلف عن مجمل التطورات التي حدثت في اللغات الأخرى. فهي قد أقلعت بالكامل عن اللغة القديمة المعروفة بالفهلوية واختارت لغة جديدة تحفل بالمفردات العربية، حيث تمكنت بهذه اللغة أن تقطع أشواطا بعيده في الجانب الأدبي وتقدم للعالم أروع النتاجات الشعرية والأدبية. وتجلت روعة التمازج بين المفردات العربية والفارسية في الكتابات الفارسية لابن سينا والبيروني، وفي كتابي «سياست نامه» و«قابوس نامه» في القرن الحادي عشر الميلادي. كما لا ينكر أحد مدى الجمال الذي أضفته المفردات العربية على قصائد سعدي التي تعد من روائع الأدبين الفارسي والعالمي، وعلى «چهار مقاله» ـ أي المقالات الأربعة ـ للعروضي والتي تعد من أجمل الكتابات النثرية الفارسية.
     ومثلما أثرنا في مقالة سابقة فإن المرحلة المعاصرة من الأدب الفارسي تعد ـفي الحقيقةـ مرحلة النثر لما شهده النثر من ازدهار لم يسبق له أن حققه من قبل على صعيدي المضمون والأسلوب. بل يمكن أن نقول بأن أروع نماذج النثر الإيراني كان في هذه الفترة بالذات. ويرد الدكتور خانلري ذلك إلى اقتصار النثر الفارسي في العصور السالفة على مواضيع محددة كالتاريخ والأخلاق وأحيانا الفلسفة والموعظة. أما في العصر الحديث فقد اتسع نطاق النثر وأخذ يتناول القضايا السياسية والاجتماعية والأساطير والعلوم الجديدة والنقد الاجتماعي وغيرها.  
طليعة المجددين :
 كانت الانكسارات المتلاحقة التي تعرضت لها إيران في حروبها مع روسيا في العهد القاجاري وضعفها في مواجهة البلدان الغربية قد أثارت قلق بعض الشخصيات الوطنية آنذاك ودفعها للتفكير بالحل. وكان ميرزا تقي خان المعروف بـ«اميركبير» من بين تلك الشخصيات التي فكرت بايجاد حل للاوضاع المتردية التي تشهدها البلاد. وقد سعى منذ أن نال صدارة البلاد في عهد ناصر الدين شاه إلى إصلاح أمور البلاد على كافه الأصعدة، وقد شملت إصلاحاته الأدب الفارسي أيضاً. وأصبح الأدب في عهده مرآة تعكس الآمال والطموحات والشعور بالحاجة إلى إصلاح الأوضاع الاجتماعية والسياسية وقطع الاعتماد على البلدان الخارجية.
     ويعد كل من عبد الحسين الكرماني وعبد الكريم طالبوف وزين العابدين المراغي ممن لعبوا دوراً جديراً بالملاحظة في تطور النثر الفارسي خلال العصر الحديث. فرغم أنّ آثارهم لا تتميز بقيمة أدبيه كبيرة، إلا أنهم طرحوا من خلالها افكاراً جديدة وتميزت بأسلوب جديد أيضاً. فعبدالحسين الكرماني المعروف بـ«ميرزا آقاخان» كان ذا أسلوب مؤثر متميز بروح التمرد ..التمرد على الجهل والأوهام والخرافات الناجمة عن استبداد ناصر الدين شاه.
     وكان قد نشأ في أسرة تنتسب إلى طائفة من علماء الصوفية بكرمان وتأثر بحكمة الملاصدرا. وهرب مع صديقه الشيخ احمد روحي إلى اسطنبول وأخذ يكتب في صحيفة «اختر» أي النجم، وينشر فيها أفكاره المتأثرة بآراء السيد جمال الدين الاسد آبادي، داعياً مع الشيخ احمد روحي إلى وحدة العالم الاسلامي. ومن آثاره قصة «تمساح الدولة» التي تطرق فيها إلى فساد حكام عصره وفقر المجتمع من خلال أسلوب لاذع اثأر غضب السلطة وأدى في النهاية إلى إعدامه مع رفيقه الشيخ احمد روحي.
     اما عبدالكريم طالبوف فقد ولد في تبريز ثم غادر إلى تفليس وأتقن اللغة الروسية وذهب منها إلى داغستان حيث أمضى بقية عمره هناك. ومن آثاره «السفينة الطالبية» أو ما يسمي أحيانا بـ«كتاب احمد». وهو عبارة عن حوار بين مؤلف وولده أحمد، الذي لعب في هذا الكتاب نفس الدور الذي لعبه «اميل» في كتاب جان جاك روسو. وكان لهذا الكتاب تأثير واضح في زمانه على الأذهان وعلى الأدب الفارسي.
     وهناك كاتب ارمني يدعي «ملكم خان» يعد من مروجي الثقافة الغربية، وأفكاره في الغالب عبارة عن تلفيق بين مذهب اوغوست كونت الفرنسي، وآراء جان ستيورات الانجليزي. وكان شديد الرغبة في الأخذ بالمدنية الغربية وترسيخ الأفكار الليبرالية، ورغم هذا فقد عدّ احد أدباء طليعة الحركة الأدبية في العصر الحديث لما اعتمده من أسلوب بسيط خال من التعقيد.
     ومن كتاب العصر القاجاري المعروفين ميرزا محمد خان سينكي المعروف بـ«مجد الملك»، وكانت له رسالة نقدية أسماها «كشف الغرائب» وتعرف أيضاً بـ«الرسالة المجدية» انتقد فيها أوضاع العهد الناصري (ناصر الدين شاه) وحمل قادة البلاد مسؤولية الفساد والانحطاط آنذاك، وأعلن بصراحة : «أن حكومة إيران لا تشابه في قوانينها قوانين الاسلام ولا مبادئ الشعوب الأخرى». وكان لا يؤمن بالثقافة الغربية ولا يتفق في آرائه مع «ملكم».
     واعتبر سعيد نفيسي في كتابه «روائع النثر الفارسي المعاصر» كلاً من طالبوف ودهخدا على رأس المجددين في النثر الفارسي، وعدّ محمد علي جمال زاده وصادق هدايت من أبرز السائرين على خطاهما. وسنتطرق إلى الشخصيات الثلاث الأخيرة لاحقاً.
     وبشكل عام تعد كتب الرحلات «سفرنامه» أولى ثمرات النثر الفارسي الجديد. وقد ألف ناصر الدين شاه نفسه اثنين من تلك الكتب، والتى طرق فيها الأوضاع السياسية والاجتماعية فضلاً عن تناوله لموضوعات جغرافية.
     ويعد كتاب «سياحتنامه ابراهيم بيك» تأليف زين العابدين المراغي من بين الكتب التي ذكر أنها كانت ذات تأثير كبير على حركة الأدب الفارسي الحديث. 
دور الترجمة :
     كما نوهنا فقد لعبت الترجمه في الحركة الأدبية الإيرانية المعاصرة دوراً بنّاء لا يمكن التغافل عنه..إذ فتحت نافذة كبيرة بوجه الأدب الفارسي أطل من خلالها على الآداب العالمية وروائع الأدب العالمي. وكلنا يدرك أهمية الإنفتاحات الأدبية وما تتركه من آثار إيجابيه في أغلب الأحيان لاسيما على صعيدي الأسلوب والتصوير الفني.
     وتركت ترجمة روائع الأدب العالمي إلى الفارسية تأثيراتها الواضحة على الأدب الفارسي الحديث ـ لا سيما النثر ـ خاصة وقد رافقت عمليه الترجمة انتشار المطابع ونمو الطبقة المتعلمة.
     وكان من أهم تأثيرات تلك الترجمة إيجاد نزعة عند الكاتب الايراني للكتابة بأسلوب نثري بسيط والتخلي عن التعقيدات النثرية التي شهدها النثر الفارسي خلال المرحلة السابقة.
     وكانت الكتابات الفارسية في نهاية القرن التاسع عشر في معظمها ترجمة وتقليداً لآثار الكتاب الغربيين، سيما الفرنسيين منهم كمولير، ودوما، وجول فرن، وبرنارد دوسن، وفيكتور هيغو. كما كانت هناك ترجمات عن العربية والانجليزية والروسية والتركية.
     ومن أوائل الكتب التي ترجمت إلى الفارسية هي «قصه تلماك» لفنلون ترجمها علي خان ناظم العلوم، و«الكونت دي مونت كريستوف» لالكساندر دوما ترجمها محمد طاهر ميرزا اسكندري، و«قبلة العذراء» للكاتب الانجليزي جورج رينولدز ترجمها كل من سيد حسن الشيرازي والأديب الفروغي، ومسرحية «الخديعة والحب» للشاعر الألماني شيلر ترجمها ميرزا يوسف خان، و«موت نابليون» لالكسندر دوما ترجمها حشمت السلطان، و«اثيلو» و«تاجر البندقية» لشكسبير ترجمها ناصر الملك.
     وقام عبد الحسين ميرزا بترجمه «طبائع الاستبداد» لعبد الرحمن الكواكبي، و عبدالحسين رضوي كرماني بترجمة «تاريخ الثورة الروسية» للدكتور خليل بيك اللبناني، وهو يصور فجائع الاستبداد الروسي.  
دور الصحف و المجلات  :
     يمكن أن نقول أن الصحافة الإيرانية قد ظهرت إلى الوجود في عهد محمد شاه القاجاري، ولعبت الكتابة الصحيفة دوراً رئيسياً في تطور أسلوب النثر الفارسي.
     وأول صحيفة فارسية ظهرت إلى الوجود كانت تحت إشراف صالح بيك الشيرازي وكان ذلك في رمضان 1252هـ لكنها لم تستمر طويلاً. وأعقبتها صحيفة أخرى تدعى «روزنامه تهران» وذلك في عام 1267هـ وبتشجيع من تقي خان اميركبير. ورغم أسلوبها الحذر واتجاهها المحافظ إلا أنها منعت عن الصدور بعد سنوات لاتهامها بمعارضة السلطة.
     ولعبت صحيفة «تربيت» التي صدرت عام 1314هـ دوراً مرموقاً في تطوير النثر الفارسي. وكان يديرها محمد حسين خان ذكاء الملك المتخلص بـ«فروغي».
     وتزامناً مع الثورة الدستورية (324هـ/1906م) ظهرت صحيفة تدعي «صور اسرافيل». وأريد من خلال هذا الاسم الإشارة إلى جهل الناس بما يجري من حولهم. وكان يديرها شاب متحمس يدعي جهانگير خان الشيرازي الذي استطاع من خلال هذه الصحيفة أن يلفت اهتمام كافة الأوساط الاجتماعية ومختلف الطبقات.
     وكتب فيها علي اكبر دهخدا (صاحب الموسوعه الفارسية الشهيرة) سلسلة من المقالات تحت عنوان «چرند و پرند» ـ أي خزعبلات ـ كان يذيلها باسم «دخو» وكانت هذه المقالات سبباً من أسباب اشتهار هذه الصحيفة. وقدمت هذه المقالات الساخرة خدمة قيمة للأدب الحديث فضلاً عن تأثيرها اجتماعي وبث الوعي بين الناس.
     وهناك أدلة تؤكد على أن مقالات دهخدا كانت مصدراً لالهام ثاني أساتذة الأدب الفارسي الحديث ـأي محمد علي جمال زاده ـ حيث ألف مجموعة قصصية متأثرة بـ«خزعبلات» دهخدا، أطلق عليها «كان ما كان».
     ولم يكن محمد علي جمال زاده قد فتح الباب ببراعة بوجه النثر الحديث فحسب، بل يعد أيضاً واضع الحجر الأساس للقصة القصيرة في الأدب الفارسي وإن كان يؤخذ عليه استخدامه للعامية.
     وفي السنوات الأخيرة من العهد القاجاري ظهرت مجلة «بهار» التي كان يديرها ميرزا يوسف اعتصام الملك وذلك في عام 1329هـ ولم تستمر أكثر من عام واحد ثم ظهرت ثانية بعد عشر سنوات وذلك في عام 1339هـ وكانت تميل في أسلوبها الأدبي إلى الأسلوبين العربي والتركي.
     كما كان لمجلة «دانشكده» ـ أي الكلية ـ الشهرية التي صدرت في عام 1336هـ دور واضح في التحول الادبي وساعدت على خلق حركة أدبية جديدة. وقد أبدل اسمها فيما بعد إلى «نوبهار» أي الربيع الجديد.
     ولعبت بعض المجلات مثل «سخن» و «يغما» دوراً أيضاً لاسيما على صعيد التحقيق  والنقد الأدبي ساهم في تحديد نقاط الضعف وتقوية نقاط القوة ورفد المسيرة الأدبية بالأفكار والآراء الجديدة والأخذ بزمام الحركة الأدبية نحو مزيد من التبلور والازدهار.
     وكان هناك عد من الصحف والمجلات خارج البلاد قامت هي الأخرى بدور ملحوظ على صعيد تطوير النثر الفارسي، مثل صحيفه «قانون» التي اصدرها في لندن «ملكم خان» الذي سبقت الإشارة إليه، وصحيفة «الحبل المتين» التي كانت تصدر في كلكتا وصحيفة «اختر» التي صدرت في اسطنبول واستمرت بالصدور 25 عاماً.  
الاتجاه الروائي  :
     لقد شكل الاتجاه الروائي جانباً كبيراً من الحركة النثرية المعاصرة، وحظيت المؤلفات القصصية باهتمام ربما طغى على باقي الاهتمامات، أو بقول النقاد إن النثر الفارسي قد وقع خلال 1919ـ1930 تحت هيمنة الرواية والقصة القصيرة. ولا نريد هنا أن نتوغل في هذا الموضوع وسنوكل الحديث عن الرواية الفارسية إلى مقام قادم، ولكن يمكن أن نقول بأن «خزعبلات» علي اكبر دهخدا التي كانت تنتشر في صحيفة «صور اسرافيل»، كانت طليعة تجربة ناجحة على صعيد كتابة القصة. ويبدو أنه لم يهدف إلى تقديم قصة لقارئه، غير أنه كان يعير اهتماماً خاصاً للايقاع واللحن والنبرة، وسعى إلى أن يقدم كل شخص بلسانه ومستوى تفكيره.
     ولا شك أن القصة القصيرة في إيران قد بدأت بقصه «كان ما كان» لمحمد علي جمال زاده التي صدرت عام 1922. وكانت قصته هذه بدايه لظهور القصص الأسطورية. وتبلور أسلوبه في الاستخدام الحر للتعابير الاصطلاحية والأمثال لإضفاء صبغة الحوار على لغته. ورغم أن ذاك قد أدى إلى اختراع أسلوب أدبي جديد كان له الاثر الكبير على الكتابات النثرية فيما بعد، لكنه أثار في نفس الوقت شبهة عدم اهتمامه بإيقاعات وخصائص الحوار الفارسي.
     ويعد الروائي «محمد مسعود» أحد أبرز كتاب العقد الثالث وكانت أول رواية له وتعرف بـ«أدب الحياة» التي صدرت عام 1932م عبارة عن نقد للاوضاع الاجتماعية التي أصبحت فيها الرذائل فضائل. وكان نثره في الغالب ناجحاً ومتحركاً. وقطع خطوه مهمة على طريق صناعة قالب قصصي متميز في الأدب الإيراني الجديد وقد اغتيل هذا القاص على يد حزب «توده» باعتراف رؤسائه فيما بعد.
     ويبدو أن خليفته «بزرك علوي» قد خطف الرهان من يديه، فقد برز على السطح الأدبي كقاص ناجح وإن حاول في بعض كتاباته الدعاية للجناح اليساري. غير أن رواية «عيونها» كانت تحظيى بأهمية أدبية وتعد أول عمل كبير له ككاتب روائي.
     ويعد «صادق هدايت» ورغم اتجاهه الفكري الغامض المضطرب من أبرز الناثرين والقصصيين الإيرانيين خلال القرن العشرين، وربما أطلق عليه البعض «النابغة الأدبية الإيرانية المعاصرة». وقد خطى خطوات واسعة على الطريق الذي افتتحها جمال زاده. وترك أسلوبه الأدبي الرصين تأثيراً كبيرا على الساحة الأدبية الفارسية. وكان متأثراً بالأدب الفرنسي إلى حد بعيد.

     ولا ننسى أن نشير هنا إلى الكاتب جلال آل أحمد، فقد نزع كثيراً نحو الأدب العالمي وتأثر به، وانعكس ذلك التأثر على مجمل كتاباته النثرية، المقالات منها والقصص. وقد لجأ إلى قالب القصص العامية وركز على لغة الحوار في نقد المجتمع ورسم حركته. والنموذج البارز علي هذا الصعيد هو «نون والقلم»، و«حياة الخلايا» التي شبّه فيها المجتمع الايراني بالنحل وربما كان متأثراً ذلك بكتاب  Insect  Play (لعبة الحشرة) لكارل جابك. 
إرسال تعليق