ظهور الأدب الفارسي وازدهاره في العهد الاسلامي

   مرت اللغة الفارسية في العصر الإسلامي بمراحل مختلفة طرأت عليها خلالها تحولات ملفتة للنظر من حيث القالب والصياغة والمضمون، وأصبحت لغة الشعر والأدب الإيراني في العصر الإسلامي، فُكتبت آثار أدبية بهذه اللغة تشمل الشعر والنثر.
عهد الطاهريين والصفاريين :
القرن الأول حتى القرن الثالث الهجري: تبقت أولى نماذج الأدب الفارسي من القرنين 3 و4 ﻫ من العصر الإسلامي. والمعلومات الوحيدة التي نمتلكها عن شعراء القرون الأولى تتمثل في فهرس بأسمائهم.
واستناداً إلى رواية مؤلف تاريخ سيستان، فقد مدح محمد بن وصيف السجزي لأول مرة يعقوب ليث الصفار بالشعر الفارسي؛ ومدحه من بعده شعراء آخرون مثل بسّام الكورد ومحمد بن مخلد السجزي باللغة الفارسية. كما اعتبر العوفي، حنظلة البادغيسي أول شعراء العهد الطاهري، وعدّ فيروز المشرقي وأبو سليك الجرجاني شعراء عهد عمرو ليث الصفار.
ولم تتبق الأشعار المتناثرة والقليلة لشعراء هذا العهد إلا في كتب التذاكر. ولا تتمتع هذه الأبيات بالميزة الموسيقية، وألفاظها غير متناسقة وأفكارها بسيطة وعارية من الزينة. لم تصلنا من شعر هذا العهد نماذج كثيرة. وأما الأشعار التي جمعها لازار، فلا تتجاوز 50 بيتاً على أن تاريخ حياة ناظميها ليس مؤكداً كما صرح بذلك شفيعي كدكني، كما إن هناك شكوكاً في نسبة هذه الأشعار إليهم. ويرى زرين كوب أن «سرود أهل بخارا» [نشيد أهل بخارى] هو أول أثر منظوم فارسي وصلنا من العصر الإسلامي، حيث تبقى منذ سنة 56 ﻫ. ومن حيث خلق الصور، تعد التشبيهات المحسوسة والمادية أهم الأشكال في هذا العهد، ونحن نشهد بوضوح تأثير صور الشعر العربي لدى بعض الشعراء مثل فيروز المشرقي. وبغض النظر عن شعر فيروز المشرقي وحنظلة البادغيسي، تخلو آثار شعراء هذا العصر الآخرين وخاصة آثار محمد بن وصيف السجزي من الصور.
عهد السامانيين و الغزنويين :
يعتبر هذا العهد الذي يشمل فترة تمتد من النصف الثاني من القرن 3 ﻫ وحتى النصف الأول من القرن 5 ﻫ، عهد الاهتمام بالثقافة القومية، وشيوع الشعر والنـثر الفارسيين وترسيخهما.
الشعر : بلغ الشعر الفارسي في هذا العهد مرحلة النضوج والانسجام، بفضـل شعراء مثل الرودكي (توفي 329 ﻫ) والشـهيد البلخـي (توفي 325 ﻫ).
وقد أدى استمرار جهود شعراء هذا العصر إلى ظهور شعراء كبار مثل الفردوسي والكسائي ومنوجهري وفرخي وعنصري، حيث تتمتع آثارهم بتنوع لافت من حيث الأسلوب والمضمون.
ويعتبر هذا العهد من الشعر الفارسي الذي شاعت فيه أنواع القوالب الشعرية، أكثر عهود الشعر الفارسي طبيعيةً بفضل تمتع هذا الشعر بسهولة عناصر الخيال؛ كما يعد أغنى وأخصب عهود الأدب الفارسي من حيث الصور الحسية والتجارب الشعرية المباشرة وتنوع المجالات التصويرية.
ومن خصائص الأدب في هذا العهد كثرة الشعراء. واستناداً إلى ما ذكره ذبيح الله صفا، فقد كان نطاق الشعر الفارسي الدري مقتصراً في هذا العهد على مناطق إيران الشرقية.
ويختص القسم الأكبر من الأشعار المتبقية من هذا العهد بالثناء على الممدوحين، وقد كان الشعراء يمدحون الوزراء ورجال الحكم وأصدقاءهم والعلماء وأولياء الدين والنبي(ص) والخلفاء، بالإضافة إلى مدح الملوك، ولكنهم لا يبالغون في الثناء على الممدوح.
كان نظم الرثاء شائعاً أيضاً في هذا العصر إلى جانب المدح. والموضوع الملفت للنظر أن المراثي نظمت في قوالب شعرية مختلفة، اعتباراً من الدوبيت وحتى القصائد المفصلة.
ومن خصائص أدب هذا العهد، طرح الأفكار الحكمية والأخلاقية في الشعر. ويدل غنى الشعر الفارسي بالمضامين الحكمية والأخلاقية في أولى مراحل تكامل الشعر الفارسي، على وجود مصادر من هذا القبيل في شعر ما قبل الإسلام، ذلك لأننا نادراً ما نصادف مثل هذه الأغراض في الشعر العربي.
وقد ظهرت الفكاهة والهجاء أيضاً بعد عهد الصفاريين في الشعر الفارسي ولأننا لا نجد أثراً للهجاء في الأدب الفارسي في عصر ما قبل الإسلام، فإن بالإمكان الاستنتاج أن الهجاء أصبح متداولاً في الشعر الفارسي على إثر تقليد الشعراء العرب. 
ويعتبر الغزل نموذج الشعر الغنائي في هذا العهد، حيث كان ينظم أحياناً في مطلع القصيدة، وأحياناً بشكل مستقل ويتضمن أحاسيس لطيفة وألفاظاً سهلة وسلسة، ومقرون في غالبيته جمال المعشوق بأوصاف الطبيعة.
ويعد هذا العهد بداية نظم الملاحم في إيران. وقد كان من أهم دوافع اتجاه الإيرانيين إلى نظم الملاحم في عهد السامانيين، تأثرهم بمساعي الشعوبيين وثورة الإيرانيين القومية في بداية هذا العهد. ويعتبر مسعودي المروزي أول من انبرى إلى نظم ملاحم الإيرانيين الوطنية، حيث لم تذكر منظومته الشاهنامه، سوى مرتين في كتاب البدء والتاريخ، ويبدو أنها كانت قد نظمت قبل 355ﻫ.
والأثر المهم الآخر هو گشتاسپ نامه في ألف بيت الذي نظمه أبو منصور محمد بن أحمد دقيقي البلخي في النصف الثاني من القرن 4 ﻫ ، وقد أدرجه الفردوسي في الشاهنامة عند حديثه عن حكم گشتاسب.
وقد نظمت في هذا العهد أهم وأكبر ملحمة تاريخية إيرانية، ألا وهي الشاهنامة وقد كانت في متناول يد الفردوسي بالإضافة إلى أثر دقيقي وشاهنامة أبو منصوري، قصص مستقلة أخرى كانت معروفة آنذاك. يجدر ذكره أن جهوداً كانت قد بذلت قبل الفردوسي بهدف تدوين ملاحم الإيرانيين القومية من بينها شاهنامة أبو منصوري التي لم يتبق منها سوى مقدمتها.
وقد بدأ في هذا العهد نظم نوع من شعر الزهد الديني والحكمي بظهور أشخاص مثل الكسائي المروزي (تـ341 ﻫ) وناصر خسرو القبادياني (394-481 ﻫ)، حيث ذُم فيه المدح والغزل بشكل واضح.
ومنذ هذا العهد، وصَلَنَا كلام منظوم يتضمن الأفكار الصوفية. وقد وردت الإشارة في تمهيدات عين القضات في آثار العهد الغزنوي إلى أسماء أو عدد من الأبيات لأشخاص مثل أبي العباس القصاب، وأبي الحسن البستي، وأبي علي الدقاق، وأبي سعيد أبي الخير والشيخ أحمد، ولكن أياً منهم لم يكن يحترف الشعر وهذا ما يدل على أن الشعر الصوفي قبل السنائي كان شائعاً بين مشايخ التصوف.
وقد ظهرت في أواخر هذا العهد آثار نفوذ الشعراء الناطقين بالعربية في الشعر الفارسي. ونلاحظ في شعر فرخي (تـ429 ﻫ) علامات التأثر بالقصص الغنائية في الأدب العربي، وكذلك الصور الشعرية للشعراء العرب. كما نُسجتِ في شعر منوجهري (تـ 432 ﻫ) صور من الطبيعة مستلهمة من عرائس الشعر العربي، تأثرت قبل كل شيء بالصور الشعرية للشعراء العرب، وخاصة شعراء العهد الأول.
وتتضمن أشعار شعراء هذا العصر استخدام الألفاظ والتعابير البسيطة الخالية من التصنع، والصناعات البديعية البسيطة واستعمال الألفاظ المحلية التي نُسخت فيما بعد. وقد شاع في هذا العهد استخدام الردائف البسيطة وقد تأثر الشعراء أحياناً بنظرائهم العرب. وقد سمي هذا الأسلوب التعبيري في آثار النقاد وكتّاب التاريخ الإيرانيين باسم الأسلوب الخراساني وأحياناً التركستاني.
النـثر : تبقت من آثار النثر في هذا العهد نماذج لا يتضمن بعضها التقرير الأدبي فغالبيتها اختص بالمواضيع العلمية. ويمكن أن نذكر في هذا المجال حدود العالم من المشرق إلى المغرب الذي ألفه مؤلف مجهول في حدود سنة350 ﻫ، وكذلك الأبنية عن حقائق الأدوية لأبي منصور الهروي ودانشنامه علائي لابن سينا وتاريخ البلعمي لأبي علي البلعمي وترجمة تفسير الطبري لأبي جعفر الطبري وترجمة السواد الأعظم في عقائد أهل السنة لأبي القاسم الحكيم السمرقندي (تـ 342 ﻫ).
[يتبع]
إرسال تعليق