قضايا في السرد الفارسي (د/ محمود عباديان - ترجمة : د/ أحمد موسى)

قضايا في السرد والأدب القصصي الفارسي:
السرد كلام بعيد عن النظم الشعري. و قد كان أقدم وسيلة لتبليغ الفكر البشري و للتواصل الشفوي و نقل المعلومات ﻣﻨﺬ ظهور اللغة. أما الكلام المنظوم فقد وُجد بعد السرد و تبلور على أساسه و مقابله. خصوصية الاستعمال اليومي للسرد أوجبت سهولته و قوت جانب التواصل فيه. و قد حافظ السرد عموماً – بما في ذلك السرد القصصي – على ﻫﺬه الخصلة في مقابل النظم.
نظرة إلى تاريخ السرد الفارسي  :
ظهر السرد الروائي (القصصي) حين دعت الحاجة إلى رواية التاريخ و الأحداث، فسجل الإنسان ما كان يحفظ أو يحب من تواريخ شعوب العالم. و مع مرور الوقت و ظهور الخط و الكتابة استمرت ﻫﺬه الظاهرة لكن بشكل أكثر دقة و تعقيداً من ذي قبل. و يمكن القول أن السرد الروائي هو حصيلة فترة زمنية كان المجتمع الإنساني ينعم فيها بالثقافة المدونة و الهدوء النسبي و الاستقرار في الأوضاع الاجتماعية و السياسية. أما في إيران ﻓﻫﺬا العصر يتزامن مع العصر الساساني فما بعد.
 الآثار الأولى للسرد الروائي الفارسي هي نتاج الظروف التي أوجدتها الحكومة الساسانية، حيث اعتنقت الدين الزردشتي كإيديولوجية رسمية و وطدت لثقافة موحدة في البلاد. في ظل ﻫﺬه الظروف شق الأدب طريقه إلى الرشد و التفتح بجانب باقي المجالات الثقافية في المجتمع. و أهم ميزة تميز ﻫﺬا العصر هو أن السرد من بين باقي الفنون الأدبية شهد رواجاً واسعاً، سواء تعلق الأمر بالسرد الأسطوري أو السرد الأدبي. دليل ﻫﺬا الأمر هو كثرة الآثار التي خلفها ﻫﺬا العصر و حُفظت من نوائب الدهر، من مثل : بوندهشن – كارنامه اردشير بابكان – ارداويراف نامهيادﮔار زريران... ﻫﺬه الآثار تبين اهتمام شعوب ﺫلك العهد بالأدب القصصي. نثر ﻫﺬه الكتابات بسيط و سلس و يتناسب إلى حد ما مع الوقائع التي يصفها. بالإضافة إلى ﺫلك يُشاهد فيه علامات المعتقدات العامية.
 من الشواهد التي تدل على الارتباط بالأدب القصصي في ﺫلك العصر هي الآثار المكتوبة بلغات الأقوام الأخرى و التي ترجمت إلى اللغة الفارسية الوسطى الساسانية. و أهم أثر تبقى منها مختصر حول ترجمة مختارات من الحكايات الأدبية الهندية تسمى كليلة و دمنة. يمكننا أن نجزم إذن أن الدولة الساسانية من الدول الأولى التي كانت لها ثقافة أدبية و كانت تعرف شعبها على آداب الدول الأخرى. يكفي أن نذكر أن نص كليلة و دمنة اﻟﭙهلوي كان مرجع ترجمة ﻫﺬا الأثر إلى اللغة العربية و منها إلى بعض اللغات الأوروبية.
  رغم أن السرد الروائي يستمد في الغالب أحداث قصصه من قضايا الحياة الاجتماعية و الحوادث المرتبطة بها، و يدل في النهاية على توجهات الشعب الفكرية و آمالهم، إلا أن ﻫﺬا الأمر في حد ذاته – أي الارتباط بالحياة – كان أمراً تاريخياً، و هو يجد مصداقاً مشخصاً و عمقاً أكثر مع تقدم الحياة الاجتماعية لبلد ما. اهتم السرد الفارسي في مرحلته الوسطى في الأساس بوصف قضايا الحياة للطبقة الراقية و النجباء في المجتمع الساساني، نجده يتحدث كثيراً عن أقوال و أفعال الملوك و رجال الدين و الأبطال. بعبارة أخرى فإن رواية المواضيع كانت تتم في بعدها الرسمي. من خصائص الأدب في ﻫﺬا العصر أننا لا نلحظ فيه أثراً للإحساسات و العواطف الفردية إلا في القليل النادر. ﻟﻫﺬا السبب بقيت آثاره مجهولة. و لعله يمكن القول أن أحد أسباب رشد السرد الروائي هو ﻫﺬا الأمر أيضاً.
  كتاب ارداويراف نامه سفرٌ خيالي لرجل دين زردشتي إلى عالم ما بعد الموت, للإطلاع على مصير عباد "مزدا" و الإيرانيين من جهة و مصير أعداء إيران من جهة أخرى. يتعرف القارئ في ﻫﺬا الكتاب على بعض عادات الطبقات المرفهة في ﺫاك العهد، و الجدير باﻟﺬكر أن ﻫﺬا الكتاب هو أول تصوير تخيلي تبقى عن تصورات الناس في تلك العصور عن الجزاء في الجنة و العقاب في النار.
 الأثر الأدبي الآخر الجدير بالذكر، كتاب كارنامه اردشير بابكان. و يعد ﻫﺬا الأثر أول كتاب بعد كتاب تربيت كوروش للكاتب اليوناني كسنوفون، يروي فيه صاحبه المسار الأدبي لأسرة من الأشراف تصل إلى الملك. يبتدئ كتاب كارنامه بالإشارة إلى تجزيء إيران بعد موت الاسكندر. الجزء الأصلي في القصة يتطرق لوصف عظمة الأسرة الساسانية و مقاومة اردشير لـ أردوان و باقي المعارضين. القصة القصيرة و المختصرة كارنامه اردشير بابكان هي قصة وصول رأس السلسلة الساسانية للحكم. في الجزء الآخر من القصة يأتي ذكر ابنه و حفيده.
  السرد الروائي الفارسي الدري هو استمرار للسرد القصصي في العهد الساساني في ظل الظروف الثقافية و الاجتماعية للقرن الرابع الهجري فما بعده. في ﻫﺬا العصر صارت اللغة الفارسية الوسطى الشرقية و الشمال الشرقية اللغة الرسمية. السرد الروائي الفارسي الذي تشكل بإمكانات ﻫﺬه اللغة هو نتاج لتركيب معطيات السرد الساساني بمعطياتٍ أضافتها الثقافة الإسلامية الإيرانية.لم يكن ﻫﺬا السرد أثناء رشده قد انفصل بعد عن السرد الخبري (التقريري). نلاحظ في كتب تاريخ سيستان و مقدمه شاهنامه ابو منصورى و تاريخ بيهقى مزجاً بين اللغة الروائية الأدبية و اللغة الخبرية التقريرية. و ﻫﺬا الأمر يبدو طبيعياً، لأن اللغة الأدبية لكليلة و دمنة –نظراً لاكتسابها تجارب كافية- بجب أن تكون مستقلة عن مثل ﻫﺬا التركيب.
  انقسم السرد الروائي الدري في مسار رشده و استحكامه إلى اتجاهين اثنين و اتخذ مسيراً متفاوتاً من حيث الأسلوب، الأول يتمثل في كتبٍ كـ تاريخ سيستان و شاهنامه ابو منصورى و نوروزنامه و داستانهاى بيدﭘاى و أمثالها حيث نجد استمراره و تكامله في كتبٍ كـ داراب نامه ها و سمك عيار. و الثاني نرصد استمراره في كتبٍ من مثل ترجمة نصر الله منشي لكليلة و دمنة و مرزبان نامه و غيرها. الاتجاه الأول له خصوصية روائية و خبرية و بساطة الجانب التعليمي و الترفيهي فيه ناشئة أكثر من الموضوع و الحدث الموصوف.أما الاتجاه الثاني فهو تعليمي ترفيهي يقوم على طريق التأكيد على الجانب الإرشادي و الوعظي، ﻟﺬلك فأسلوب الوصف يكثر فيه التمثيل و الصنائع و التشبيهات. لكن خصوصيات ﻫﺬين الاتجاهين تجتمع في كتاب ﮔلستان سعدى و ﻫﺬا ما أوصل النثر الروائي الكلاسيكي الفارسي إلى أوج الفصاحة و البلاغة و الجمال.
 قطع السرد الروائي (و الخبري) الفارسي ﻣﻨﺬ القرن الرابع حتى السابع الهجري مدارج الفصاحة و البلاغة و الجزالة اللغوية، و خلف آثاراً خالدة كـ تاريخ بيهقى و كليلة و دمنة و تذكرة الأولياء و ﮔلستان سعدى و سمك عيار التي و رغم مرور قرون عدة مازالت موضع إلهام و تأثير بالنسبة للكلام المنثور و الروائي و خاصة القصة القصيرة. ﻟﺬلك فقد أطلق عليه النثر الكلاسيكي الفارسي. و ﻫﺬا الوصف ينبع من قيمة ﻫﺬا النثر الروائي الفارسي في ﺫلك العهد. و لقد كان للنثر الروائي الكلاسيكي الفارسي دورٌ مهم في بقاء و نمو و رشد الكلام الفارسي في ﺫلك العهد. و يكفي فقط أن ننظر إلى تأثيره على استحكام و انسجام الكتابة.
 و يعتبر منشؤه الخارجي واحداً من خصوصيات النثر الكلاسيكي الفارسي. يصدر جوهر قصص ﻫﺬا النثر من الحياة و يعود إليها. و للتمثيل على ﺫلك فإن كليلة و دمنة تحكي عن الذكاء و الدهاء النابع من حياة الإنسان نفسه. إننا نشاهد في أقاصيص كتاب كليلة و دمنة ﺫاك الطبع و السجية التي باتت تُعرف في النهضة الأوروبية باسم "الميكيافلية" و أصبحت طبع أفرادٍ يحققون النجاح عن طريق الحساب و بمقاومة الموت و الحياة، نلاحظ ﺫلك في صورة نماذج حية (انعكاس تمثيلي). كتاب ﮔلستان سعدى لا يُعتبر رواية أدبية لمرئيات و مسموعات سعدي بقصد الترفيه عن الأصحاب فقط، لكنه يصدق عليه شعاره المعروف و المبني على "التجربة" و "استعمال التجربة".
 خصوصية أخرى يتميز بها النثر الكلاسيكي الفارسي و التي تقربه من الشعر الكلاسيكي الفارسي هو أنه يصدر عن أصل تخيلي. بمعنى أن النثر الكلاسيكي الفارسي يتحدث عن "الواجبات" أكثر مما يتحدث عن العينيات و الوقائع. فالموضوع كما صُور في ﻫﺬه الآثار ليس آنياً كما هو في الواقع. فقد جاء فيه رؤى و اعتقادات تستند إلى التجارب الممكنة.
 النثر الكلاسيكي الفارسي هو نتاج لفعاليات الطبقة المثقفة في المجتمع في إطار حركية القيم الاجتماعية و الهوية الفردية. فحين يُواجه الكاتب بفراغ في مستوى قيم طبقته يلجأ إلى وضع وجوه ذات قيمة. فقد صوروا  أنوشيروان مظهراً للعدالة و بزرﮔمهر ذروة بُعد النظر و الفراسة و لقمان معدن الحكمة و الطرافة. في الأخير اتجه النثر الفارسي بعد أزمات القرن الثامن و التاسع الهجري، أي في العصر التيموري و الصفوي نحو المسائل العينية و تطرق لوصف التيارات التاريخية و الاجتماعية.
السرد الفارسي على عتبة التحول :
لم يكن لنثر الكتابة الوقائعية رواجاً كبيراً في إيران بخصوص في العهد الذي أُطلق عليه صفة "النثر الكلاسيكي". و ﺫاك التقليد القديم الذي نراه في كتيبة بيستون داريوش لم يستمر في الأدوار التالية. و رغم أن الاهتمام بالواقع و الأمور الواقعية في نثر الكتابة التاريخية من أهم الضرورات، مع ﺫلك و إلى حدود "تاريخ بيهقي" لم يسلم ﻫﺬا النثر من تدخل فكر المؤلف و بعض الميول و الاستنتاجات الأدبية. يمكن القول أن الظواهر و الوقائع في النثر الكلاسيكي الفارسي كانت في الأغلب الأعم توصف أكثر مما كانت توضح، و لم توصف أو توضح أي ظاهرة باعتبار صفاتها أو خصوصياتها الذاتية إلا نادراً. كان الكتاب يتجاوزون في الغالب الصفات الحقيقية للأمور و يصبغون عليها طابعاً أدبياً. و ﻟﻫﺬه المسألة مصداق حتى في الممدوحين في الأدب الفارسي. كأنهم كانوا منزعجين من صفاتهم و خصائصهم و أرادوا من الشاعر و الكاتب أن ينسب إليهم الصفات و السجايا التي كانوا يحبون الاتصاف بها. ﻫﺬه الوقائع جعلت اللغة (الكلام) تبتعد عن وصف المسائل العينية و تصف الظواهر باعتبار الصفات الأخلاقية و المثالية و الذهنية.
 ﻫﺬه الخصوصيات إذن عرفت بعض جوانب النثر الكلاسيكي الفارسي، و إن واحداً من وجوه تميز النثر المعاصر الفارسي عن نظيره الكلاسيكي هو أن النثر المعاصر غير مرتبط بالخصوصيات المذكورة. توجه النثر الفارسي في 150 سنة الأخيرة إلى وصف و توضيح الوقائع و الأمور العينية. تمتلك الظواهر في النثر المعاصر الفارسي وجودها المستقل و صفاتها الذاتية. إﺫا كان تفوق النثر القديم و فضل و عظمة الكاتب يرجع إلى إصباغه الكلام بالنكات العجيبة و النادرة، فإن الظروف اليوم تحتم عليه الاهتمام بالوقائع اليومية. في القديم كان قارئ الرواية أو سامعها يتعرف على ﺫوق الكاتب الفني أكثر مما يتعرف ماهية الأمور الموصوفة. لقد نجح النثر المعاصر الفارسي في أن يزيل  القطيعة بين الكلام و بين موضوع الوصف في الكلام شيئاً فشيئاً أو على الأقل أن يخلق تناسباً بينهما.
السرد الروائي المعاصر في إيران:                     
 لو أردنا تتبع أكبر تحول يمكن أن يعرفه أدب بلدٍ ما، فإننا نشاهد أن الأدب في إيران ، و خاصة "السرد" قفز قفزة كبيرة من القرن الماضي و حتى الآن. المقصود داك التحول الذي عرفه الكلام الفارسي في عصر ناصر الدين قاجار تبعاً للجو الذي أوجده أمير كبير إثر الإصلاحات الاجتماعية العميقة التي أجراها. يقترن ﻫﺬا التيار بالوقت الذي تنبهت فيه الطبقات الواعية و التقدمية في المجتمع القاجاري بتخلف المناسبات و الأوضاع الاجتماعية في إيران و بادروا إلى تغييرها. و بما أن لغة أهل البلد هي الوسيلة لتوضيح الحقائق و التنوير في مجرى التحول الاجتماعي، كان تأهيل ﻫﺬه الوسيلة الإنتقادية و شحذها بطبيعة الحال شرطاً لازماً للنجاح في ﻫﺬا التغيير.
 لكي تتمكن اللغة من فتح طريق رؤية الأمور و الحقائق أمام ﺫهن الشعب، يجب أن تقترب هي نفسها إلى الواقع و الحقائق و تكتسب القدرة على إفشاء مفاسد و سلبيات المجتمع و إيصالها إلى أﺫهان الناس. و النتيجة أن اللغة بصفة عامة و معها النثر الأدبي يجب أن تؤهل نفسها لمستوى التكليف الموضوع على عاتقها في إيجاد التحول.  في مثل ﻫﺬه الحالات جرت العادة على الحديث عن توجه الأدب نحو منحى الوقائع الحياتية، و يُقصد ﺑﺬلك انعكاس القضايا الاجتماعية و الحياتية للناس في الآثار الأدبية. ﻫﺬا المبدأ صحيح و مهم و يتماثل في عصرنا مع علاقة الأدب بالحياة.أما ﻫﺬا الأصل الكلي لم يكن العامل الوحيد الذي ساهم في تحقيق "القومة الأدبية" في إيران خلال القرن الماضي، بل كان للمسألة جوانب أخرى متعددة و معقدة.
 لم يكن الأدب الفارسي أبداً بعيداً عن القضايا و المسائل الحياتية بشكل كلي، بل يُعتبر ارتباطه بها أحد مفاخر الأدب الفارسي الكلاسيكي، إنما تتمحور القضية حول كيفية انعكاس وقائع الحياة بشكل خاص في ساحة الأدب.
 ليس محض درج وقائع الحياة ما كان يُنتظر من اللغة و خاصة من الأدب، (النثر على وجه الخصوص) ، كما كان الشأن في أدب الدول الأوروبية، بل كان المتوقع منه - و الحال أن الحياة اتجهت نحو اللغة و الأدب - أن ينتقد الأوضاع السيئة، و أن ينور أﺫهان الناس في مسار التغيير الاجتماعي و الفكري. و هناك أمرٌ آخر و هو أن عدداً من الشعراء و الكتاب كانوا يعتقدون أن السبيل للخروج يكمن في العودة إلى التقاليد و الأشكال الأدبية الكلاسيكية، و نموذج ﺫلك يتمثل في السعي نحو "العودة الأدبية". كان ﻫﺬا الأمر في رأيهم هو أقصى ما يمكن أن يفعله المهتمين بالأدب. ﻟﺬلك كان يعترض طريق الأدب مشكلتان اثنتان : المشكلة الأولى تتمثل في كيفية فهم الكتاب و الشعراء للعلاقة المتبادلة بين الأدب و الحياة الاجتماعية في ظل تلك الظروف، أما الثانية فهي توقع الناس من الأدب أن يدرك روح الزمان و الظروف اللازمة للتغيير. و إن عدم تناسب ﻫﺬين الاثنين انتهى بالأدب الفارسي إلى باب مسدود غير مسبوق و شل حركته.
 كان الأدب نوعاً من السلاح النقدي، لكنه لم يكن كذلك في إيران حينها، بل كان قد فقد قاطعيته و فعاليته النقدية. ﻟﺬلك أصبح من الضروري انتقاد عمل و دور ﻫﺬا السلاح في حد ذاته، أي الأدب. لأنه حين يعجز سلاح الانتقاد عن تأدية دوره، يصبح انتقاد السلاح شرطاً ضرورياً للإبقاء على رسالة القضية.من ﻫﺬا المنظور بدأ نقد الأدب. فحين لم يسفر الهجوم على التقاليد و الأشكال القديمة عن نتيجة تُذكر و لم يحل المشكل حلا جذرياً – و قد دلت التجربة على أن الأمر لم يكن كذلك في الواقع – انصب النقد على الوسيلة التي أمدت الأدب بمصدر الوجود و الوسيلة البيانية، أي "اللغة القومية".اللغة ليست فقط الوسيلة التي يبني بها الكاتب أثره، إنما هي أداة ﻫﺬا العمل. اعتبر أدباء عصر "القومة" أن اللغة حلقة وصل بين الأدب و القضايا و بين الأدب و الناس و واحدة من الحلول الأصلية لصقل سلاح الأدب.
 بعدما تم تبسيط اللغة الخبرية و لغة الصحف على إثر الضرورات التي أملتها القضايا الاجتماعية و و بفعل التعرف على أساليب الكتابة في الدول الأوروبية، كانت الخطوة التالية في سبيل تغيير الأدب تتمثل في البحث عن الأشكال و الأنواع الأدبية الكفيلة بتقديم أجوبة للقضايا المعاصرة. كانت القوى السابقة في المجتمع القاجاري المتخلف تقاوم من أجل تحقيق ظروف و تحصيل حقوق نالتها الدول الأوروبية المتقدمة و كانت بعض دول الجوار تقاوم أيضاً من أجلها.كانت ﻫﺬه الدول تمثل سابقة استفاد الإيرانيون من إمكاناتها و أخذوا التجارب منها و أسقطوها على ظروفهم المحلية. في شعر ﻫﺬا العصر تطابقت إلى حد ما الأنواع و الأشكال الكلاسيكية مع الحاجيات الأدبية للوقت، و في السرد الروائي و الأدبي أيضاً تم الاستفادة و التأثر من الأجناس الخارجية، حيث ستتبلور نتيجة ﺫلك في إيران "الرواية" و "المسرح" و جنس القصة القصيرة التي عُرفت فيما بعد بـ "القصة القصيرة" و ستأخذ مكانها في الأدب الفارسي.
تكوين السرد القصصي المعاصر الفارسي  :
 الشعر و النثر على حد سواء مكونان أساسيان في الحياة الأدبية، و "الواجبات" أو "ما يجب أن يكون" هي الأرضية التي تشكل منطقة الشعر، تختلف لغة الشعر عن لغة الحياة اليومية. يحمل الشعر ﺫهن القارئ أو السامع إلى عالم المثل و إلى عالم "ما يجب أن يكون" و يجبره على التفكير في ما يستطيع أن يكون هو. و الشعر الفارسي الكلاسيكي خير دليل على ﻫﺬا المدعى. أما النثر فإنه يتخذ من شؤون الواقع و الأحوال و الأوضاع اليومية موضوعه و مصدره. ﻟﺬلك أُطلق عليه اسم "نثر الحياة". أما نثر الحياة بالنسبة للأدب القديم هو ﺫلك الشيء الذي كان ينبغي أن يُعرِضَ عنه خاصة و أن الشعر تكمن مثاليته في ماهيته. كان الشعر يطرح و يحل مسائل لا وجود لها في حياة الإنسان. من هنا سُمي poesia (أي ما يُنَظره العقل).
 النثر القصصي هو نثر روائي. تحكي الروايات عن أفعال القدماء الذهنية و العملية و تأخذ محتواها و مصدرها منها. تضفي ﻫﺬه الواقعية على النثر القصصي لون الوقوع و الحصول. يكمن في كل رواية العنصر التاريخي و الخبري. و مع التقدم الاجتماعي و تحسن ظروف العيش نحى النثر الروائي نحو الروايات و الأحداث الأكثر معاصرة و اقترب أكثر من واقع الحياة.كلما اقتربت الرواية القصصية من الحياة الواقعية للإنسان، كَثُر فيها جانب الفكر و التأمل على حساب الجانب العقلاني و التعليمي، إلى أن أصبح النثر حقيقة "نثر الحياة"، و خلق أساس السرد القصصي المعاصر. و قد تأثر النثر الفارسي بنثر الحياة ﻫﺬا من النثر الروائي الأوروبي.
 يبحث النثر عن عنصر الخيال في الحياة اليومية ثم يستلهمه. و يتيسر ﻫﺬا الأمر حين تكون لغة الحديث و الكتابة لغة الحياة، و تستطيع بيان أصغر الأمور و أكبرها. لأن لغة الأدب تستمد غنى بيانها و مصادرها من كنوز اللغة العامية (اللغة التي يتكلم بها عامة الشعب) التي لا تنضب. و الدليل على ﻫﺬا هو حركة النثر الفارسي من القرن الماضي إلى الآن. الوقت الوحيد الذي صار فيه النثر الخبري و التقريري عينياً و يومياً، و استطاع أن يجعل من القبيح و الجميل و الصالح و الطالح في الحياة موضوعاً له، استطاع النثر الروائي أن ينمو في ظروف مناسبة[1].اللغة العامية التي يربط بواسطتها الناس تواصلهم هي بمثابة ماء و الكتاب و أصحاب النثر الروائي الأدبي بمثابة حوت لا يبتعد عن ﻫﺬا الماء، و كل تميز أو تألق تحصله لغتهم لا يمكن أن يكون له معنى إلا بالقياس مع اللغة العامية. على أن حصول النثر الأدبي الجديد و الفتي على معنويات متعلق بموضوعات سيجري الحديث عنها، و كذلك كيفية استخدام اللغة. يستطيع الكاتب في حالة واحدة فقط - و هي حين يتعرف على ضرورة عينية اللغة و على إمكانات لغة الناس غير المحدودة - أن يستعمل لغة خاصة على أساس ﻫﺬه العينية العامة لا تكون فقط مميزة عن تلك اللغة، بل تكون باعثة لغنى اللغة القومية فيما بعد.
أنواع السرد الروائي الفارسي  :
 لم تبق الأجناس هي الأخرى بمنأى عن التحولات الثقافية و الاجتماعية، بل تأثرت بها، لم يكن للنثر الروائي أبداً الترتيب المعقد و الغني للشعر. و الدليل على ﺫلك أن كيفية و كمية الأحداث في النثر هي المكون الأساسي للجمالية الفنية.فيمكن أن تكون من الناحية الكيفية تجسماً أو نقلاً، و يتمظهر الأول في شكل الأدب المسرحي (المسرحية أو السيناريو) في حين يتجلى الثاني في صورة القصة. و القصة يمكن أن تكون قصيرة أو متوسطة أو طويلة، و تشكل ما يسمى بالأجناس الروائية التالية : "الأقصوصة" و "القصة القصيرة - نوول" و "الرواية"[2]. من بين أنواع التثر الروائي الثلاثة المذكورة، يمكن للرواية أو الشكل الأكبر للنثر الروائي أن يحظى بالأولوية في بحث أو دراسة أجناس النثر الأدبي. و ﺫلك لسببين اثنين : الأول هو أن سابقة القصص الغنية المنظومة كـ ويس و رامين و خسرو و شيرين في الأدب الفارسي تدل على وجود عيني و ﺫهني لتاريخ جنس القصة الطويلة، و يبدو منطقياً أن تؤخذ ﻫﺬه السابقة أو التقليد بعين الاعتبار في تحليل مسار القصة القصيرة في إيران. و الثاني أن الإيرانيين مع بدأ رواج الأجناس الأوروبية في إيران تعرفوا أول الأمر على الرواية الأوروبية بشكل أكبر، و الترجمات الأولى للأعمال الأدبية الأوروبية إلى اللغة الفارسية تمت بشكل كبير من جنس الرواية.
 الاهتمام بالرواية يبدو منطقياً لأن القضايا التي ابتلي بها المجتمع الإيراني في ﺫلك الزمان أو بعده، سواء القضايا الاجتماعية أو العائلية أو الشخصية لا يمكن أن تبرز أو تُعالج إلا في قالب جنس بسعة و فساحة الرواية. و ﻫﺬه المسألة تنسجم مع طبع و وضعية الناس في ﺫلك الزمان و حتى اليوم في إيران. لأن طرح القضايا الكبيرة لبلدٍ أصابت أمراضه الاجتماعية المتخلفة و المزمنة جذوره الثقافية و السلوكية في جنس أدبي واسع كالرواية يبدو موفقاً أكثر من إقحام ﻫﺬا أو ﺫاك الجانب المجزئ في قالب قصة قصيرة تركز على جزئيات دقيقة.
الرواية الفارسية :
 عُرفت الرواية بأنها قصة تحكي عن الإنسان و العادات و الحالات البشرية و هي بشكل من الأشكال تصور أساس المجتمع و تعكسه في نفسها[3]. ﻫﺬا التعريف مع ما أثير بشأنه من ملاحظات يعتبر كافياً لمبحثنا الذي ليس موضوعه الحكم على التعريف الكامل و التام للأجناس الأدبية. لكن يجب التأكيد على أنه ينبغي الانتباه في توضيح جنس الرواية إلى طولها الكمي و انتشارها الاجتماعي الذي يُعتبر واحداً من الجوانب المثيرة و الجذابة في ﻫﺬا الجنس الأدبي. و في نفس الوقت فإن الرواية مع كونها قصة، فإنها تأخذ المصالح غير الخرافية و الناقصة كألعوبة و بتسلطها على الظواهر التلقائية تمنحها الحياة و تقننها.
 أول الروايات الفارسية أو بعبارة أخرى أول ظهور لوقائع الحياة في شكل جنس الرواية بوصفه نوعاً أدبياً دخيلاً استُلهم طبعاً من النموذج الأوروبي. لكن لا ينبغي فهم ﻫﺬا التأثر من الجنس الأوروبي على أساس أنه تقليد. أعطت الرواية الأوروبية للقصة الفارسية الجنسية و الأسلوب الأدبي لعرض المصالح و الحوادث و لم تعطها المصالح و المحتوى. الرواية الإيرانية كان لها ﻣﻨﺬ البداية عاملان ذاتيان اثنان : الأول أنها كانت إلى حد ما صريحة في النقد، و الثاني أن المسائل العاطفية و علاقة الحب بين الرجل و المرأة كانت أهم موضوع يُطرح فيها. يمكن مشاهدة أمثلة ﻫﺬين العاملين في أول الروايات الفارسية، يعني تهران مخوف و زيبا[4].
ﻫﺬه الخصوصيات تُبرز بكل وضوح جانباً مهماً في الرواية الإيرانية، و هو أن الرواية الفارسية في أثناء ظهورها لم تكن مجرد وسيلة للترفيه عن القارئ و الفتيات المرفهات في بيوتهن. لكن ما كان يدعوها إلى الحياة نوع من العمل الاجتماعي الأدبي، أو الأفضل أن نقول كانت سلاحاً أدبياً نقدياً. ﻫﺬه الخصوصية في الرواية الإيرانية يمكن أن نجدها في آثارٍ كـ سياحتنامه ابراهيم بيك و مسالك المحسنين التي تبرز في الواقع مضمونها المحلي. و هكذا فإن أول ظهورٍ للرواية الإيرانية قام على أساس القضايا الثقافية الاجتماعية لإيران.
 إن كيفية عنصر النقد في الأدب القصصي المعاصر متعلقٌ بظروف الحياة الاجتماعية و تناسب القوى المختلفة في المجتمع. الرواية الإيرانية إضافة إلى كونها نشأت في ظروف اصطدامات اجتماعية لافتة كان النقد فيها أحد تجليات التغيير، فإنها و بالنظر إلى النثر النقدي الذي يطبع المجلات و الصحف النقدية في الخارج و نظراً للصراحة التي عرفتها الكتابة في أوروبا، اتخذت شكلاً لغوياً. ﻟﻫﺬا السبب فإن ﻫﺬه الرواية تتوفر على عناصر الأسلوب التقريري و الكتابة الصحفية.
  ظهور الرواية الإيرانية من الناحية التاريخية حصل في المرحلة الفاصلة بين فترة المواجهات التي كانت تهدف إلى إنجاح الحركة الدستورية و فترة اقتدار الحكومة الفهلوية الاستبدادية. ﻫﺬه الفترة كانت في الواقع مرحلة اضمحلال الحركة و المقاومة و ظهور حكومة مركزية قوية. أما الفعاليات الثقافية و الصحفية فبدأت تتحدد و تتقلص و بدأت تسير في مجرى موافقٍ لاحتياجات الاستبداد. أما المثقفون أصبحوا شيئاً فشيئاً مضطهدين و بعيدين عن الساحة. أما المنشورات و الآداب النقدية و المعاِرضة فقد حوصرت و مُنع انتقاد كل المناسبات و الأوضاع التي كانت في طور الاقتدار. ﻟﺬلك لم يكتمل التحول الذي كان يهيئ الظروف لثورة اجتماعية تشمل الشؤون الأساسية للحياة الاجتماعية و الثقافية، فقبل أن تصل المقاومة الثورية إلى نهايتها و تعطي ثمرتها كانت مكتسباتها تُصادر من أيدي الشعب.
 و النتيجة أن المجتمع الإيراني بعد نهاية الحرب العالمية الأولى أصبح عرضة لأوضاعٍ تتصف بتركيب غير متناسب لأوضاع و عادات و تقاليد قديمة مع مكتسبات حقوقية و حكومية قليلة تكرست مع انتصار جزئي للحركة الدستورية، أي تعايش القديم و الجديد. ﻫﺬه الوضعية انعكست أدبياً بشكل من الأشكال في الروايات الأولى التي أُلفت في العشرية الأولى من القرن الحالي (الهجري الشمسي).
 تحكي الرواية الفارسية تهران مخوف عن حوادث تصبح فيها الحياة الطبيعية لأفراد المجتمع ضحيةً لإعمال النفوذ و لتقسيمات أصحاب المقامات العليا و ذوي السلطة اﻟﺬين رفعوا عُقد المجتمع المتخلف بواسطة القانون و سلسلة المراتب الإدارية و حكموها. كان يُمارس الظلم و هضم الحقوق و الاستغلال في مكاتب الإدارات و بدعمٍ من المناصب و المسؤوليات الحكومية،كان يُمارس ﺫلك قبل الحركة الدستورية من طرف الحكام و رؤساء العسس و رجال الشرطة.كانت الرواية تلوح حينها إلى أن المجتمع المدني أصبح في حكم الحوض الزلال الذي تمثل فيه الحركة الدستورية و القانون الماء الطري الذي يُصب في الأرض المحروثة ليرويها، وكانت تظهر أن مسئولي مرحلة المشروطة يمارسون في حق الشعب نفس سلوك الفترة السابقة باسم القانون و باسم مقررات الدولة.
 في رواية زيبا لمحمد حجازي و المتجانسة مع تلك الفترة نجد فضاءً و موضوعاً مشابهاً لكن من منشئٍ متفاوت. نواجه في ﻫﺬه الرواية أيضاً الفساد و التسيب الإداري للدولة و ندرك أي علاقات تكمن وراء سلسلة المراتب و المسئولين الحاكمين في الدولة. تبين ﻫﺬه الرواية كيف أن الفضاء و واقع الحياة في المدن الكبيرة تخرج الإنسان القروي البسيط و الساذج وغير الملوث عن جادة الحياة الطبيعية إلى طريق الفساد، و كيف أن الروابط المحلية و التقليدية تُنسى و الإحساسات و العواطف الإنسانية تفقد قيمتها. و في الأخير تجعل الإنسان متعلقاً بمناسبات و أوضاع لا مجال فيها للرجوع مجدداً إلى الحياة و المعتقدات القديمة. المدينة الكبيرة في رواية حجازي مكانٌ يربي فيه الناس ذئاب بعضهم البعض لدرجة أن حتى أولئك اﻟﺬين هم مصدر ﻫﺬه الأعمال، يصبحون مفتقدين للحد الأدنى من الأمن المدني و الشغل و الهدوء الفكري.
 و هكذا فإن أول مكتسبات الأدب القصصي المعاصر في إيران هو عبارة عن روايات انتقادية و فاضحة و اجتماعية.النقد في حقيقة الأمر سواء بالتصريح أو بالتلويح هو من خصوصيات الأدب المعاصر بشكل عام، لكن ما يجعل جانب النقد في الروايات المذكورة شاخصاً و بارزاً هو الصراحة و المباشرة و خشونة النقد. النقد فيها موجه للمجتمع و الظاهرة التي يحركها المجتمع، ﻟﺬلك فهي من ﻫﺬا الحيث تستحق اللوم و اﻟﺬم. لكن الرواية في ﻫﺬه الفترة شأنها شأن كل ظاهرة جديدة -لها جوانب و خصوصيات غير مسبوقة بالمرة - لها سلبياتها. لا يجب أن ننسى أن ﻫﺬه الآثار خلفت وراءها آثاراً مثل سياحتنامه ابراهيم بيك، و تأثرت بها بطبيعة الحال.
 لعل أحد آثار سياحتنامه على تهران مخوف هو تصوير المجتمع تصويراً سيئاً و منحطاً و استثناء الشخصيات الإيجابية في القصة. و هدا الأمر هو من ناحية منسجم مع معنويات كتاب ما قبل الثورة الدستورية، فهم كذلك كانوا يعتبرون المجتمع منشأ كل نوع من الخبث و الفساد دون أن يعدون دور الأفراد في ظهور المفاسد الاجتماعية مؤثراً. ففي رواية تهران محوف نتعرف على شخصيتين أصليتين في القصة بعيدتين كل البعد عن أي نوع من أنواع المفاسد الاجتماعية التي يعيشان فيها. مواجهتهما للمجتمع لها صبغة خارجية فردية. لدلك يضطر الكاتب لكي يصور سلبيات و مفاسد المجتمع أن يربط بين منطقة واسعة من البنيات الاجتماعية و الحوادث و أن يضع الشخصية المركزية للرواية في مسيرهم. قُسمت الشخصيات الرئيسية للرواية مند البداية إلى فئة صالحة و أخرى طالحة.
 أما رواية زيبا لحجازي فإنها تصف ظاهرة من الأخلاق الإيرانية التي تبرز في رواية سركدشت حاجى بابا اصفهانى في تجلياته الفردية. أما الشخصيات الرجالية في الروايتين : زيبا و سركدشب...هي عبارة عن إنسانين بدويين بسيطين يتخليان عن الحياة التقليدية و يتوجهان نحو المدينة الكبيرة. يعيشان هناك جواً يصدق عليه التعبير الشهير "يجب على كل واحد أن يحمل متاعه بمفرده" حتى و إن اقتضى الأمر أن يكون الثمن هو التعاسة و البؤس و إبادة الآخرين. على أن مواجهة طبع الإنسان البدوي أو المنعزل لمصاعب الحياة في المدينة هو أحد المواضيع التي طرقها الأدب الفارسي، و لا يُعتبر غريباً عنه[5]. لدلك فإن ثاني أهم رواية فارسية تُبرز كيف أن الإنسان البدوي الساذج حين يتطبع و يتعود على الحياة المدنية و الحضرية، و حين يتعرف على مفاسد و خدع تلك البيئة يصبح أكثر شراً و خبثاً حتى من أشرار المدينة.
 تشتبك الشخصية الرئيسية في زيبا أحياناً بين الفطرة الإنسانية البسيطة و بين مقتضيات العيش في المدينة، فهو قد انتابه الندم في عالم الأفكار و تذكر الحياة المعنوية البسيطة التي انقضت، و تأسف كثيراً. لكن في الواقع و عملياً فمازالت شخصيته الحضرية تقوده، فجاذبية و متعة الحياة المدنية أغلقت الطريق أمام أي نوع من التفكير في المآل و العاقبة و التقوى :



[1]  تأكيد جمال زاده في مقدمة "يكى بود يكى نبود" المبني على التحول من لغة العوام و الاستهزاء باللغة التي يتكلم بها طبقة ليست لها معرفة بمكتسبات اللغة العامية، هو تأييد لهدا الطرح.
[2]  لن نتحدث في هدا المبحث عن الأدب المسرحي. لقد كتب السيد جمشيد ملك بور كتاباً مفصلاً (مجلدان، دار النشر طوس) في هدا الباب. لكن نكتفي بهده الإشارة و هي أن الأدب المسرحي في إيران تشكل في وقت كانت فيه الثقافة و الأدب الإيرانيين عرضة لأكبر تحول تاريخي في حياتهما  و كان المجتمع الإيراني على عتبة  التغييرات السياسية و الاجتماعية.....يجب إكمال الترجمة...
[3]  نقلاً عن "الأدب القصصي،القصة و القصة القصيرة و الرواية" لجمال مير صادقي، طهران، 1366ش، ص : 41.
[4]  هما على التوالي لـ "مشفق كاظمي" و "محمد حجازي".
[5]  في كتاب "منطق الطير" لفريد الدين العطار، حين يخرج شيخ صنعان من خلوته و عزلته يُبتلى بفتاة مسيحية. و في حكايات "المثنوي" لجلال الدين الرومي هناك مسائل من هدا القبيل أيضاً تطرح بأشكال متفاوتة بساطة البدويين في مواجهتهم للبيئة الكبرى أو للحواضر.
إرسال تعليق