رواد القصة القصيرة الفارسية المعاصرة

رواد القصة القصيرة الفارسية المعاصرة
ثلاثة قصاصين من جيل واحد
محمدرضا كاتب - احمد دهقان - رضا اميرخانى

مهدي يزداني خرم
ترجمة : أحمد موسى


لقد خلق الأدب القصصي الإيراني في مدة قصيرة منذ آخر سنوات عقد السبعينيات وحتى يومنا هذا فرصاً عديدة وذات أهمية لا تُنكر، طرح فيها وجوهاً شابة يمكن اعتبارها إلى حد ما وجوهاً متميزة. لقد أوجد هؤلاء الشباب الذين بدأ أغلبهم عمل الكتابة بشكل احترافي في سنوات عِقْد السبعينيات، مناسبات يجب اعتبارها تحولاً في فكر الكُتَّاب الذين اقتربوا كثيراً من الأدب الملتزم. إن الأدب الملتزم والأدباء الثوريين الذين ظهروا على الساحة في مستهل عقد الستينيات بشعار الأدب الاجتماعي والأدب القِيَمي، تحولوا إلى جانب تيار الأدب المستقل الإيراني إلى صوت مهم جداً. لقد طرح هذا التيار، الذي كان له أنس وقرابة مع بعض الوقائع الملموسة في المجتمع، وبسبب إدراكه لفضاءات مرحلة الحرب، أصواتاً مهمة على الساحة الأدبية القصصية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة. لقد استطاعت هذه الوجوه –التي تعلَّم أغلبها الكتابة القصصية بشكل مخبري ومجرَّب- أن تفرض نفسها بصفتها تنتمي للأدب وتربطها به رابطة الأبوة، هذا الأدب الذي سعى إلى جعل الرموز والأسس الفكرية للمدرسة الثورية مصدره الرئيسي في آثارهم. وفي هذا الصدد يجب اعتبار محمد رضا كاتب وأحمد دهقان ورضا أميرخانى من جملة هذه الوجوه التي استطاعت في السنوات الأخيرة جلب نظر نُقَّاد وقرَّاء الأدب الإيراني تجاهها. وفي هذه السطور سنعرض لنقاط عامة عن الفضاءات الفكرية والقصصية في الآثار المتميزة لهؤلاء الثلاثة :
محمد رضا كاتب : ظهور محمد رضا كاتب مديون لروايته الجديرة بالتأمل "هيس". لقد اهتم بالكتابة القصصية منذ شبابه، وبدأ عمله بـ"السخرية"، وله تكوينٌ في مجالس القصة كسائر الكُتَّاب بعد الثورة الإسلامية. وقد ألَّف أولَ آثاره وسط جماعة كُتَّاب القصة التابعين لمسجد "جواد الأئمة"، كان يعتبر من بين أصغر أعضاء مجلس الكُتَّاب الهام هذا، والمسمى بالثوري. فجأة يغيِّر أسلوبه ويترك "الطنز" [السخرية] جانباً. وهو يدرك مدى التجربة الطويلة التي اكتسبها في الكتابة الاحترافية وسط جمع الكُتَّاب وأعضاء حلقة مسجد "جواد الأئمة"، ومن ناحية أخرى فقد نشر بعض قصصه الأولى في صحيفة "كيهان بچه ها" [كيهان للأطفال]. وقد نشر طوال هذا الوقت كتباً عديدة، أكثرها "طنز". نجد ميول "كاتب" نحو الأدب الجدي والصوري في آثاره التالية :  "پرى در آبگينه" [ملاك في البلور] و"دوشنبه هاى آبى ماه" [أيام الاثنين من الشهر الأزرق]. هذان الأخيران كانا بمثابة تمهيد لكتابة رواية "هيس" ونشرها سنة 1999م. بعد نشر رواية "هيس" ثم بعد ذلك روايتي "پستى" [الوضاعة] و"وقت تقصير" [وقت التقصير]، سيستعرض كاتب توجهه العميق والجدّي نحو نوع من النزعة الشكلية المتعددة الاتجاهات. وهكذا وبفضل هذه الأعمال الثلاثة طرح محمد رضا كاتب نفسه بشكل واقعي على ساحة الأدب القصصي، وقد ساعده تكوينه في مجالس ومختبرات القصة على عدم التسرع في نشر وطبع أعماله بسهولة ويسر، عكس أغلب أدباء عقد الستينيات.
يجب اعتبار محمد رضا كاتب مؤلفاً ساقته تربيته الاجتماعية وتجاربه المرة في فترة شبابه نحو رواية معقدة وجد عنيفة. ولعل الصدمة التي يتلقاها قارئ روايته "هيس" ترجع لهذا السبب. لأنهم يواجهون كاتباً قسا عليهم بوجه أدبه الاستعماري وجذبهم في نفس الآن. استفاد كاتب من شخصية (ناتوراليستية) [طبيعية] كصادق چوبك، ومن أنواع الخشونة المختلفة لرواية صعبة ومعقدة. إن الحركية في رواية "هيس" مازالت محتفظة بتعلقها بالقناعات الواقعية، في نفس الوقت تطرح رواية "هيس" نفسها كظاهرة في مرحلة الإبداع لدى محمد رضا كاتب.
سينشر المؤلف الذي تمكن في "هيس" من تحرير العنف الخفي في الفضاءات والأحداث وتلقينه لمخاطبه، في العام 2002م رواية " پستى". وهي رواية كسائر أعماله، وهو يصور فيها المجتمع والإنسان اللذين لا يتورعان عن العنف، ويفكران كثيراً في الموت أو القتل. أما في رواية "وقت تقصير" فينبري الكاتب لاستعراض توجهاته التاريخية. وتعتبر توجهاً جديداً لمحمد رضا كاتب في عالمه القصصي. وهو في هذه الرواية له همٌّ عظيم، فهو يسعى بالافادة من المعطيات والتقنيات الروائية في النصوص القديمة أن يكتب قصة حديثة. وهو اهتم أيضاً بالشكل الظاهري لهذه الآثار، لذلك نجده في أجزاء من الرواية يورد حواشي قصصية إلى جانب النص الأصلي. تتجه رواية "وقت تقصير" نحو إعادة قراءة الكتب الكلاسيكية وخصوصاً القاجارية منها.
يعتبر محمد رضا كاتب من بين أكبر إنجازات جيل من الكُتّاب الإيرانيين الذين لم تكن لهم علاقة جيدة بالنزعة الشكلية، وكانوا في نفس الوقت، مؤمنين بكتابة أدب قصصي شعبي. فهو كاتب للأشكال المعقدة والروايات الطافحة بالعنف، ويمكن القول أن السلوك القصصي لمحمد رضا كاتب يعتبر أكثر النماذج استقلالاً وحداثة في الوقت نفسه بين الكُتّاب الإيرانيين.
أحمد دهقان : يجب اعتباره من بين أكثر كُتَّاب سنوات ما بعد الثورة اهتماماً وتطرقاً لمقولة الحرب. وهو كذلك كباقي معاصريه تلقى تكويناً في مجالس القصة، وله تجربة في ذلك، وله إمكانيات لا يمكن إنكارها في رواية فضاءات الحرب والمحاربين. لقد دخلت الحرب كمدرسة وتيار في قصص بعض كُتَّاب عقد الستينيات والسبعينيات. لقد كان أكثر كُتّاب القصة الملتزمين في الحرب يبحثون عن القيم، أما أكثر الكُتَّاب المستقلين فكانوا لا يدركون حرب إيران جيداً، وكانوا يتناولون نوعاً ما مشاكل المدينة. ويعتبر أحمد دهقان من بين أهم الكتاب الذين استطاعوا الاقتراب إلى حدود هذا المفهوم. لقد أعلنت رواية «سفر به گراى ۲۷۰ درجه» [السفر إلى 270 درجة] بعنوانها المُحرِّك عن ولادة كاتبٍ يستطيع التطرق لرواية الحرب خارج التيارات الغالبة في مجال الحرب. لقد وقع دهقان أواسط عقد السبعينيات ضحية المواجهات بين جبهتي الكُتَّاب الملتزمين والمستقلِّين، وهذا ما حذا بعدم قراءة ونقد روايته بشكل بنيوي. لكنه، وبفضل بمجموعة قصصه الأخيرة المسماة «من قاتل پسرتان هستم» [أنا قاتل ابنكم] أصبح ناقلاً لمحفل النُقّاد والكُتَّاب الإيرانيين. يتطرق في هذه المجموعة إلى خلق فضاءات مهمة في نوعها. فهو يعرض نفسه ككاتب جريء رغم ما اعترى مجموعته القصصية من ضعف، وسيؤدي إلى أن تتحرك الحرب في روايات أغلب الكتاب الإيرانيين تجاه المعنى الحديث والجديد. أحمد دهقان جندي قديم أدرك الحرب، ومازال يستحضر جثامين أصدقائه. وهو مع هذا يصور للحرب فضاء مُرّاً و مرعباً يسترعي الاهتمام.
يروي أحمد دهقان في مجموعة قصصه «من قاتل پسرتان هستم»  [أنا قاتل ابنكم] قصصاً تدل على أن الحرب إما في أغلبها موشكة على النهاية أو أنها انتهت تماماً، وشخصياته في أعماله هذه أكثرها جنود منهكون ومكلومون. فهم في وضع مضطرين فيه لسرد قصصهم وحكاياتهم في الحرب لعلهم يتخلصون بذلك من الكوابيس والعنف المتخفي في ذواتهم. لذلك فهم يسمحون لأنفسهم للحديث أكثر عن الأحداث والفضاءات التي كانت لحد الساعة (طابو). وهذا ينطوي على الرعب والعنف والوحدة.
ذهن شخصيات دهقان مشتت ومشوش. لعله بالغ في عرض عنف قصصه.
في المجمل يجب اعتبار أحمد دهقان كاتباً له ذهنية فريدة بين جيل كُتَّاب قصص الحرب، يسعى بأسلوبه الخاص إلى بيان بعض الوقائع المكتومة.
رضا أميرخانى : هو من بين أكثر الوجوه الأدبية الصانعة للخبر. تعلَّم الكتابة القصصية جيداً. وهو يتوفر على صفات كاتب محترف. تلقى تعليمه الثانوي في ثانوية العلامة "حلي" وكان طالباً استثنائياً، نشأ في عائلة تقليدية ومرفهة اجتماعياً، أكمل تعليمه لمدة في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد وقَّع على رائعته مبكراً. وهو لا يخفي توجهاته العقدية في حواراته الثقافية. طبع أولى آثاره مبكراً. كان يتمتع أميرخانى بمؤهلات عالية في علم الرياضيات-حسب ما صرح به أحد زملائه في الدراسة-، وعلى عكس معاصريه لم يترك إيران للعمل في الدول المتطورة تكنولوجياً، بل استمر في الكتابة والإبداع وفي الوقت نفسه كان يتابع دراسته في الطيران pelotage .
نشر أول أثر له وهو "ارميا" في أوائل السبعينيات، وهو عمل غير ناجح. لكنه سينشر روايته الجميلة والمؤثرة "منِ او" [أنا ملكه] في وقت لم يتوقعه أي أحد. وهكذا سيتحول الطالب النموذجي لثانوية "العلامة الحلي" إلى كاتبٍ يحظى باهتمام عموم قراء الأدب. نُشرت روايته "من او" سنة 1999م، وجدد نشرها عدة مرات حتى الآن، ويمكن لها بجانب رواية "هيس" و"نيمه غايب" [النصف الغائب] أن تكون في لائحة جائزة النقاد والكُتّاب، وهذا ما يساهم في نجاح العمل بحكم تعرضه للنقد الكبير والإيجابي. "منِ او" رواية طويلة تدور أحداثها حول جيل واحد، وهو الجيل الطهراني، أو الأسر المقيمة في العاصمة في السنوات السابقة على الثورة الإسلامية. إن تغير الرواة والمناسبات بالتزامن مع حفظ التسلسل الزمني الذي استمر حتى سنوات الحرب جعل من "من او" رواية واقعية واجتماعية ناجحة ومرموقة.
"من او" هي نتاج ذهن كاتبٍ يفهم اللغة الفارسية جيداً، و في الوقت نفسه يدرك القصة الإيرانية بعمق. لعل رواية "من او" بسبب الفضاء والمكان المختلف تخرج عن الرتابة. لكنه، وبحفظ أخلاقه الروائية إلى الأخير، يجعلنا أمام رواية كاملة. لكن أميرخانى صاحب "من او" مختلف عن أميرخانى صاحب "از به".
في المجمل يجب اعتبار الأدب القصصي لرضا أميرخانى رواية كلاسيكية تسعى عن طريق استيعاب بعض إنجازات الرواية الواقعية إلى الوصول إلى رواية أكثر باطنية لوضعية الإنسان في مسار تاريخه وزمنه المعاش. وهذا يدل على أن أميرخانى له علاقة وطيدة بالسرد  القصصي والحركة في فضاء الرواية. وهذا يبدو في كتابه "سفر سيستان" [سفر سيستان] الذي هو عبارة عن كتاب رحلة لسفر قائد الثورة الإسلامية إلى محافظة سيستان وبلوشستان الذي ألّفه محترماً القواعد القصصية. فهو في هذا الكتاب يضع نفسه بصفته راوياً في موقعٍ خاص تتضح معالمه تدريجياً. لكن الجدير بالذكر هو سعي رضا أميرخوانى الحثيث في الحصول على شكل روائي خاص. شكلٌ طَرَحَ جذوره الأصلية في رواية "من او" ويلعب دوراً محورياً في سائر كتاباته.

إضافة إلى الكتابة القصصية فلأميرخانى فعاليات في الكتابة النقدية والتأليف في المواضيع الثقافية وخاصة في الموقع الإلكتروني "لوح". ولشخصيته بعدان اثنان : الأول يتمثل في أنه كاتب قصصي مهم أبدع وأثبت ذلك، والثاني أنه منظِّر وناقد ثقافي وأدبي يختلف بالكامل عن كونه كاتب قصصي. وهو حالياً منهمك في كتابة رواية تحت اسم "بى وتن".    




ليست هناك تعليقات: