الثورة والأدب في إيران


الثورة والأدب في إيران

رضا براهنـي
[مجلة الشرق، فبراير 2006] 

ترجمة : الدكتور أحمد موسى

لقد أحدثت الثورة الإسلامية تغييراً في القيم، على صعيد الأدب وتاريخه، لذا ينبغي طرح هذا التغيير كظاهرة في ذاتها ووجودها، قبل إضفاء التفاسير الإيجابية والسلبية والأخلاقية وغير الأخلاقية عليها. إن الدراسات والكتب والأبحاث أولت اهتماماً بالغاً لظاهرة كانت موجودة في إيران قبل عشرين سنة، وهي ظاهرة "أزمة الريادة الأدبية في إيران". لم يكن الهدف هو معرفة هذه الظاهرة في وجود أشخاصها، وحتى في وجود الشعب والحكومة. بل أزمة الريادة الأدبية ترتبط بظواهر أدبية أخرى، وبتاريخ الأدب وبالأنواع والأجناس والأولويات الأدبية، ولا ترتبط هذه الأزمة بشكل مباشر، بالأشخاص الذين يخلقون الأدب أو بالأقطاب المتنوعة المعارضة والموافقة، مثل الحكومة والشعب. إذن فأزمة الريادة الأدبية تشمل الظاهرة برمَّتها، وتشمل الأدب الذي أنتجه الموالون وأيضاً الأدب الذي أنتجه المعارضون.
  تبرز هذه الأزمة حتى مع وجود الإيديولوجيات الحاكمة في عهدها، لأن أهميتها أكثر بكثير من الوجوه الإيديولوجية. لكن أزمة الريادة الأدبية هي بمثابة دم يسري في جسد الأثر كله، وهو المحدد النهائي لماهية الأثر. فالأزمة ترتبط بتغيير القيم.
  لأجل أن نحلل أزمة الريادة الأدبية التي حكمت الأدب الإيراني خلال عشرين سنة الماضية، يمكن الرجوع قليلاً إلى الوراء ودراسة عدة مسلّمات أصلية ومعطيات أساسية في الأدب بعد الثورة الدستورية، وحتى ثورة فبراير 1979. فبعد أن أتاحت لنا الثورة الدستورية المليئة بالتناقضات التعرف، بشكل نسبي، على الثقافة الغربية واختبارها والتجاور معها والاستئناس بها، وظهور حوار جديد يدعى الغرب وتركيبه مع تقاليدنا في إنتاجات مبدعينا. فقد وضعنا قدمنا على أرضية، أسميها أنا "أرضية الموت". لكنه الموت بمعنى خاص. فقد كنا نعتز بثقافتنا وتقاليدنا وبوحدتنا. فحين تجاورنا مع الغرب انتابنا إحساس أننا جلسنا في سفينة سليمة وآمنة من الطوفان والزلازل. لكن هذه السفينة لم تكن فقط منكسرة، بل رائحة الموت تنبعث من كل جنباتها.
الخصوصية الأساسية لأدبنا بعد الثورة الدستورية هي التفكك والموت...
  لماذا يبدو كتاب "رند و رند" [خزعبلات] لـعلى أكبر دهخدا مجزئاً قطعة قطعة ؟ فثمة سبب أكبر من الكتابة الصحفية الاجتماعية والسخرية الاجتماعية وذوق ومؤهلات المؤلف.
  "يكى بود يكى نبود" [كان يا ما كان] لماذا تبدو مجزئة قطعة قطعة ؟ رغم أن جمالزاده قاص ودهخدا كاتب صحفي فإن لغتهم تتشابه أحياناً. رغم التفاوت في نوع وجنس العمل، ورغم الاختلاف في أفكار الرجلين، لماذا كلاهما يكتب بشكل مجزء. ولماذا يعشق نيما يوشيج في ديوانه "افسانه" [الخرافة] وفي قطعاته الأخرى ذاك الشيء "الفاني" أو "الزائل"...أيعني أن الإنسان قابل للمعرفة والإحساس فقط في إطاره الفاني ؟ لماذا نسخر من الفناء والزوال ونستلذ به في الآن نفسه ؟ لماذا يرى "قربانعلى"، الشخصية الرئيسية في قصة جمالزاده، نفسه مجازاً بالارتباط بزوجته-فقط- بعد موتها. الشيء نفسه نلحظه في جميع قصص صادق هدايت تقريباً، بدءاً من "سايه روشن" [الظل المضيء]، و"سه قطره خون" [قطرات الدم الثلاث]، و"داش آكل" [داش آكل]، و"زنى كه مردش را ﮔم كرده بود"، [المرأة التي كانت قد أضاعت زوجها]، وفي قصة "بوف كور" [البومة العمياء]، بشكل أكبر ؟ لماذا امتزجت جمالية كل هذا بالموت، والتجزيء والتعفن ؟ لماذا يبدو ذهن طفل المدرسة في قصة "بعد از ظهر آخر اييز" [مساء آخر الخريف]، لـصادق ﭼوبك مشتتاً بهذا القدر ؟ ولماذا لا يكتسي العمل جاذبية فنية إلا بعد تقطيعه وتجزيئه ؟ ولماذا نحن نحب النثر المجزأ والمضطرب لقصة "غربزدﮔﻰ" [الاستغراب] ؟ لماذا أطول شعر لـفروغ فرّخ زاد هو عبارة عن قطعات وليس منظومة واحدة، ولماذا نفضل هذا النص على غيره من المنظومات في عصره، ولماذا نحبه، بالرغم من أن التشتت وعدم الوحدة وصوت الموت ينبعث من كل سطر من سطوره ؟ لماذا ولماذا ولماذا ...؟
ما يميز فننا ليس أن بعضه أصيل وآخر معاصر. لأن أدبنا الجدِّي لا يقبل التقسيم إلى كلاسيكي ومعاصر. بل إن السبب الأساس يكمن في أننا خطونا خطوة في عصر أزمة الأذهان مع الثورة الدستورية، وهذا أمر ينطبق على الأصالة والمعاصرة على حد سواء. صادق هدايت ونيما يوشيج وأحمد شاملو وفروغ فرّخ زاد وأخوان ثالث، سواء كانوا ممثلين للأصالة أو المعاصرة، فهم غرقى في الأزمة. فكلٌ من الأصالة والمعاصرة مختلطة بالموت.
 هناك البعض من يريد أن يجعل من عقد الأربعينيات عقداً للمحادثات والحوارات الجديدة. يجب أن أقول في البداية أنه لا بد من رد يد تلك المحادثات الوهنية التي أتت بـ 19 أغسطس، ثم إنهم ينوون أن يجعلوا من هذا العقد عقداً كبيراً في تاريخ الثقافة الإيرانية. الجميع يعرف ذلك العقد، ولمعرفة أفضل يمكن الرجوع إلى عشرات المجلات والصحف والدوريات ومئات كتب الشعر والقصة والمسرحية والترجمة والنقد الأدبي. فأدباء هذه الفترة لا يشبه بعضهم بعضاً. فكلٌ من صادق چوبك وجلال آل احمد وإبراهيم گلستان وسيمين دانشور وأحمد شاملو وأخوان ثالث وفروغ فرخ زاد ونيما يوشيج، هذا الأخير تُطبع كل أعماله بعد الموت، كلهم يشتركون في اختلاف بعضهم عن البعض. لكن ذاك العنصر المشترك الأساسي يطبِق عليهم جميعاً، ألا وهو ذاك المرض المحتوم الذي لا دواء له، ذاك التخبط في دوامة التناقضات الناتجة عن أزمة الريادة الفكرية وأزمة الأشكال والأجناس. فنحن نعيش في زمن التشتت الثقافي. وإذا كان "التشتت" شيئاً سلبياً ما كان ليخلق كل هذه الآثار. كانت هنالك بعض الآثار السطحية التي استعارت بعض الأشياء من صورة التشتت، لكنها في عمقها افتقدت إلى الألم وإلى التشتت. بشكل عام، يريد هذا التشتت أن يصل إلى الأوج، ويُجبر للوصول إليه على الخضوع لتغييرات جادة. توجه أدب تلك الفترة لاستقبال الثورة.
  أتاحت هذه المحادثات تغييراً كيفياً للغرب عوض تعريفه جغرافياً وإيديولوجياً، وأدت إلى ظهور الفكر النقدي وإظهار الآراء التي على أساسها يتم تقييم الأدب المعاصر والأدب القديم كذلك، ظهور شعر ورواية المرأة (فرخ زاد – دانشور)، ظهور المسرح (بيضايى ورادى وساعدى وفرسى وسلحشور)، ظهور جيل جديد من الشعراء (آتشى ورويايى وآزاد ونيستانى واحمدى)، ظهور عدة روايات أصيلة مبنية على الألم والتشتت ("سفر شب" [سفر الليل] لـبهمن شعله ور، و«سنگ صبور» [الحجر الصبور] لـصادق چوبك، و"سووشون" لـسيمين دانشور، وآثار أخرى لكتاب آخرين)، تثبيت نسبي لجنس الرواية التي كانت في طور الحركة بين القصة الطويلة والرواية ("مدير مدرسه" لـجلال آل أحمد، "ملكوت" لـبهرام صادقى، "واهمه هاى بى نام و نشان" لـساعدى، "شازده احتجاب" لـهوشنگ گلشيرى)، وخروج النقد الأدبي من أيدي المحافل والمجلات الأكاديمية والمحافظة، وانتقاله إلى صحف وأسبوعيات ودوريات، بحيث لا تبقى الآراء الأدبية حكراً على "وحيد" و"ارمغان" و"راهنماى كتاب" و"سخن"، بل تحدده "كيهان ماه" و"كتاب هفته" و"جگن" و"آرش" و"انتقاد كتاب" و"فردوسى" و"خوشه" وحتى الصحف. فأساس النقد الأدبي بخاصيته المعاصرة هو الهروب من المراكز الأكاديمية والتشتت والتزلزل وهدم كل القيم وإعادة تأسيسها. إن الشعر السياسي-الاجتماعي قبل الثورة كان يواجه اللغة البرجوازية والمؤدبة وأدبيات الكلام المتعارف عليها ومعارف الطبقة الحاكمة، عن طريق إبراز لغة غير أدبية والسخرية، وحتى السب والقذف والسخرية من الأنساق المتهاوية، وكان وراء أدب من نوع جديد. إن "مركز الكُتَّاب" الذي تأسس في هذه المرحلة بداعي الحاجة إلى حرية الرأي والتفكير فتح فصلاً جديداً ومهماً للاعتراض الرسمي لمخالفي الرأي في عصر الشاه على الثقافة الرسمية الحاكمة : وتمثل ذلك بدايةً بمعارضة مجموعة من الكتاب لـهويدا، ثم بالاعتراض على تشكيل الحكومة للمجامع الرسمية قصد مصادرة الأدب غير الرسمي، ثم بتأسيس جلسات جديدة لقراءة الشعر وبالتكريم الأدبي، مثال ذلك "شبهاى شعر خوشه" بعناية أحمد شاملو، ونادي فناني مدينة طهران، وتكريم نيما يوشيج على يد مركز "كتاب إيران" في كلية الفنون الجميلة التابعة لجامعة طهران، وكذلك، عن طريق تحرك جمع من الكتاب سنة واحدة قبل الثورة، وكذلك الخطوة الكبيرة المتمثلة في عشرة ليال في «انستيتو  گوته» والتي بافتتاح حركة الثورة اقترب الكاتب والمركز والأدب كذلك إلى سطح الحركة...ومنذ ذاك الحين ستبدأ كتابة الشعر والقصة السياسيين ومذكرات المعتقل والتعذيب وتفسير الأدب من وجهة نظر تاريخ تلك "الحركة"..لكن ظاهرة كهذه لا يمكن أن تكون عميقة ولا خالدة. الثورة تقتضي لغة جد حيوية. من بين اللغات التي تشكلت مع عشرات ومئات الروايات الفارسية، لدينا ثلاثة مراحل تاريخية في هذه الفترة. الحركة الديموقراطية لأجل الثورة، والثورة نفسها، والحركة الديموقراطية بعد الثورة وحتى سنة 1981م و...
تفتح الثورة حواراً جديداً حول الإسلام والغرب. وحوار من هذا النوع لم يكن مسبوقاً في تاريخ الإسلام منذ الحروب الصليبية، لكن هذه المرة مركز النزاع يتواجد في بلد غير عربي، وخارج عن نطاق السُنّة، ومجال جديد، وهو إيران. قبل هذا الوقت تحقق الحوار مع الغرب بشكل آخر، أي عن طريق المشروطة، لكن بعد ذلك اتخذ الحوار شكلاً آخر، بعضه اتخذ شكلا إسلاميا إيرانيا، مثل تيارات المشروطة والمشروعة قبل تسعين سنة. أما بعضه الآخر اتخذ شكل المواجهة الثقافية السياسية، مثل النقاش الذي فُتح مع قصة " غربزدگى " لـجلال آل أحمد في أوائل عقد الأربعينيات، وبعضه الآخر اتخذ طابع السياسي الديني، مثل الظاهرة التي برزت مع 5 حزيران، ومازالت مفتوحة – مثل باقي الأشكال – على مستوى إيران والمنطقة وحتى العالم. ولا يمكن، بطبيعة الحال، أن نتطرق لكل هذه الظواهر، لكن أود الإشارة إلى نقطة مهمة وهي أن الثورة وتحركاتها وتغيير الحكومة، وسقوط الملكية التي عمّرت 2500 سنة، ومواجهة الغرب، على إثر هذا كله توقف الأدب والفن الإيراني بشكل عام عن أنواع الروايات المربوطة بتلك العهود. وهذه التغييرات هي التي سببت الأولويات التاريخية في الأدب الإيراني. يحتاج هذا الموضوع إلى توضيح أكثر.
 كانت الثورة الدستورية تنبئ بتغيير الزمان، ورسالتها كانت أنه مرّ زمان واليوم هناك زمان آخر، ولذلك سيكون زمان آخر في المستقبل. وإن طالبوف وزين العابدين مراغه اى ودهخدا وجمالزاده وهدايت هم تناج ذاك التصور (التغيير الزماني). إن الشعر يظل قمة الأنواع الأدبية قبل الثورة. وهذه الثورة تهتم بالزمان.
إن جيلنا والجيل السابق متعلق بالحرب العالمية الثانية، و 21 يوليوز، وحركات عقد الأربعينيات، لكن الوقائع العينية لا يمكن مقارنتها بالظاهرة التي برزت أثناء ثورة 11 فبراير. لذلك فالثورة قدمت تصوراً جديداً لـ«كرونوتوپ»  (الزمان والمكان)، فهذه الظاهرة الجديدة تتطلب الراوي، كما تتطلب الرواية، كما يعبر عن ذلك ميخائيل باختين. مع الثورة ندخل بشكل جدي في مجال الزمان، الشعر ورغم تجديد رونقه في عقد الستينيات والسبعينيات، على مستوى البناء والشكل واللغة، حتى تقدم على شعر الأربعينيات، إلا أنه لن يبق الجنس الأساسي الأدبي في هذه المرحلة. فقد حدثت تغييرات كبيرة في الأولويات الأدبية. بيان ذلك أنه طوال الزمان، قبل وبعد الثورة، حرب في كل مكان، وبعد الحرب هناك صفوف وسجون وساحات وشوارع وبواطن الأشخاص والبواطن المتلاشية والمشتتة للناس...وكل ذلك خارج عن نطاق الشعر، حتى الشعر الروائي، لهذا السبب نجد أن ثلاثة أجيال متتالية تكتب الرواية، بأنواعها المختلفة، نذكر بعضهم مراعين ترتيب العمر: سيمين دانشور وعلى محمد افغانى واحمد محمود وإسماعيل فصيح ورضا براهنى وهوشنگ گلشيرى ومحمود دولت آبادى وجواد مجابى وشهرنوش پارسى پور وغزاله عليزاده ومحمد محمد على وبيژن بيجارى وشهريار مندنى پور ومنصور كوشان ومنيرو روانى پور وعباس معروفى وأمير حسن چهل تن وفرخنده آقايى  فرخنده حاجى زاده، وعشرات الكتاب الآخرين الذين أدخلوا الرواية والقصة القصيرة مرحلة عامة. رغم معارضة الحكومة للتجديد، فإن إيران قدّمت لتاريخ الأدب الإيراني أهم شكل للتجدد، يعني الرواية بصفتها صورة نوعية للأدب المعاصر الإيراني. إن أبرز خصوصية للحركات الثورية هي إيجاد الأزمة وعدم التوازن.               

  

الأدب القصصي الإيراني قبل الثورة



                الأدب القصصي الإيراني قبل الثورة
                               كاتب المقال : محمد رضا سرشار
           ترجمة : د/ أحمد موسى

بعد نهاية الحرب الإيرانية العراقية، عرفت الساحة الفكرية مرحلة فتور دامت عشر سنوات، ﻣﻨﺬ انتصار الثورة الإسلامية. ﻟﺬلك كان من الصعب على أي أديب العودة إلى ذلك العالم الخاص بعد ﻫﺬه القطيعة. إضافة إلى ذلك، فإن ﻫﺬه الاستحالة الفكرية كانت في طور البروز عند عدد مهمّ من أدباء الجيل الذي عاش في أكناف الثورة الإسلامية، مما أدى إلى فتور عزمهم للدخول إلى عالم القصة في عهد الثورة الإسلامية. ومثل ﻫﺬه الاستحالة كانت تزداد تَكرُّساً في المجتمع يوماً بعد يوم، ﻟﻫﺬا، فإن ﻫﺬا النوع من الآثار لم يكن له متتبعون.
 إذا أضفنا إلى كل ﻫﺬا عاملاً آخر، و هو قلة الكتب المطبوعة في السنوات الأخيرة، والتي أدت بدورها إلى عدم اهتمام عدد كبير من كُتَّاب جيل الثورة بالكتابة، وعدم اعتبارها الشغل الشاغل والأصلي لهم، سيتبين لنا بجلاء أسباب ﻫﺬا الفتور ودواعي هذا الركود.
 يمكن تعريف الأدب القصصي الثوري تعريفاً واسعاً بأنه : كلُّ عملٍ قصصي يتمحور موضوعه الأصلي حول مواجهة الأنظمة الفاسدة السابقة التي كانت تحكم البلاد. في ﻫﺬا التعريف، لا يبقى لمعتقدات المذهب أو غير المذهب أو اليمين واليسار محلٌ من الإعراب. لكن مع ﻫﺬا التوسع في التعريف، فإن بحثنا لن يكون علمياً، لأنه في ﻫﺬه الحالة، يمكن أن نجد أعمالاً قصصية في عهد الثورة الدستورية وما بعدها تناولت مواضيع مقاومة النظام القاجاري ونظام رضا خان ونظام محمد رضا اﻟﭙهلوي، ومعارضتهم، ﻟﺬلك يمكن القول أن الأدب القصصي الثوري الذي نعنيه هنا هو ذلك الأدب الذي يهتم بطرح قضايا الثورة الإسلامية باعتبارها قضايا أساسية ومحورية، وبالنظر إلى تاريخ مقاومة جماعات وأفراد إسلاميين في ﻫﺬا الطريق يمكن أن تبتدئ ﻫﺬه القصص من عهد الشيخ فضل الله نوري، وتمتد إلى فترة الشهيد مدرس وفدائيي الإسلام، وثورة الخامس عشر من خرداد 1342ش (1964م)، وهيئات مؤتلفة وجماعات وأشخاص آخرين كالإمام الخميني وآية الله سعيدي وآية الله غفاري وآخرين. ويتمثّل أوج ﻫﺬا الموضوع في سنة 1356ش (1978م) وفي بداية النهضة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني، وانتهاءً بانتصار الثورة الإسلامية في 22 بهمن من سنة 1357ش (1979م).
  تعددت القضايا بعد الثورة الإسلامية : بين الحروب الداخلية الانفصالية، والحرب ضد العدو الأجنبي، ومناوشات المعارضين في الداخل...ينبغي التعرف على الآثار التي كتبت حول هذه المواضيع وترتيبها وتحليلها حتى تتبين لنا وضعية إسهامات كُتّاب هذا العصر في هذا المجال، وبالتالي، الحكم على ذلك حكماً مقارناً. وهنا يجب مقارنة ما كُتب في إيران حول الثورة مع ما كُتب في الدول الأخرى حول ثوراتهم. فعلى سبيل المثال كتاب "البؤساء"لفيكتور هيكو يشير إلى الحروب الداخلية في الثورة الفرنسية. وهناك أثر كبير كتبه الروس حول الثورة البلشفية سنة 1917م، وهو كتاب "تجاوز المعاناة" لـالكسي تولستروي في ثلاثة مجلدات، ترتبط الثورة في هذا الكتاب بالحروب الداخلية التي جاءت بعدها، وبالحرب العالمية الأولى ومقاومة العدو الأجنبي، وأكثر حوادثها تتعلق بهذه المواجهات التي تتصل بانتصار الثورة. لكن نظام الثورة الحاكم في الإتحاد السوفيتي سيستمرفي الحرب الخارجية لسنة واحدة فقط. لأن الحرب العالمية الأولى ستعرف نهايتها في العام1918م، وقبل نهايتها سيعتزل النظام البلشفي رسمياً.
لذلك فإننا نستنتج أن السوفيتيين بقوا أكثر من عشرين سنة بعيدين عن الحرب مع عدو أجنبي لغاية بداية الحرب العالمية الثانية سنة 1939م. إنهم كانوا يستطيعون كتابة قصة ثورتهم خلال هذه المدة، في حين أن الإيرانيين لم يكن لديهم أكثر من سنة وسبعة أشهر لكتابة قصة ثورتهم، لأنه بعد ذلك، شبّت الحرب وألقت بظلالها القاتمة كل شيء، واستأثرت بكل الاهتمام، واستنزفت الإمكانيات المادية والمعنوية طيلة ثماني سنوات على الأقل.
قضية أخرى، وهي سابقة الكتابة الروائية في روسيا، فإنها تعود إلى وقت بعيد جداً، بحيث أصبح لها رواد لهم مدرستهم الخاصة في الرواية. والآن تمر أكثر من 400 سنة على عمر الكتابة الروائية في شكلها الجديد هناك، في حين أن الرواية في إيران لم يمر على نشأتها أكثر من تسعين سنة. فالروايات الأولى الجديدة في إيران هي ليست روايات بالمعني الدقيق للمصطلح. بدأت هذه التجربة من العقد العاشر، بحيث شهدت الساحة الأدبية عدداً لا بأس به في هذا المجال. هذا، في الوقت الذي اكتسب الأدب في إيران تجربة أكثر في مجال القصة القصيرة. مع ذلك ففي روسيا باستثناء "تجاوز المعاناة" فإننا لم نشهد ظهور عمل آخر غير "دن آرام" لـشولوخوف كرواية مرتبطة بثورة أكتوبر، وهذه الرواية نفسها ممزوجة بنوع من الحرب، كما يمكن أن نذكر رواية "الأم" لـكوركي. لكننا لا نجد في كل ذلك آثاراً مختصة بثورتهم، بمعنى آخر، فباستثناء القضايا الأخرى فإننا لا نجد نموذجاً قوياً لرواية حول الثورة البلشفية أو حتى الغربية، في المقابل نجد أمثلة كثيرة للروايات المضادة للثورة، بدءً من قلعة الحيوانات لـجورج أورول وحتى أعمال مثل دكتر جايواكري بوريس باسترناك أو مجمع الجزائر لـكولاك ألكساندر، أو قلب الكلب لـبولكاكف وأعمال أخرى لـماركز...
  في إيران لم يوجد نموذج للرواية الإسلامية أو رواية "الثورة الإسلامية". وحتى إن توفرت نماذج للروايات  حول الثورة الفرنسية والروسية أو الأمريكية اللاتينية، ما كان للروائيين في الثورة الإسلامية أن يتخذوا من ذلك نموذجاً يحتدى به. لأن الثورة في إيران كانت ثورة مغايرة جداً.
  وفي هذا الصدد يمكن استحضار عناوين بعض الروايات التي أُلفت حول الثورة الإسلامية بعد انتصارها، أولاها رواية زنده باد مرﮒ (يحيى الموت) لناصر إيراني من منشورات سروش. وهي رواية ضخمة، كان مؤلفها قبل الثورة ينتمي لحزب "تودة"، فأصبح بعدها تابعاً لحركة "حاج سيد جوادي". أحداث هذه الرواية لا تدور حول عامة الشعب، بل حول جماعة ماركسية مثقفة، تعقد جلساتها في منزل تتدارس فيها الثورة التي بدأت تتبلور في البلاد. بطل القصة –وهو الراوي نفسه- ينفتح ذهنه تدريجياً برؤية الشعب في الشوارع وانتشار الثورة الشعبية في كل أنحاء البلاد، ثم سينفصل عن تلك المجموعة الخاملة والمدعية ويلتحق بعامة الشعب في الشوارع. لكن هذه الرواية (يحيى الموت) هي رواية الرأي والفكر، يكثر فيها الكلام والجدال. قبل هذه الرواية لدينا عمل آخر، وهو لحظه هاى انقلاب (لحظات الثورة) لمحمود ﮔلاب دره اى، لكنه لا يُصنف ضمن مجال الرواية رغم أنه ليس بعيداً عن القصة، لأنه يدور حول شخصية محورية واحدة وهي ﮔلاب دره اى نفسه. فهذا العمل أقرب ما يكون إلى الخاطرة. وقد كُتب بنثر أدبي ممتع للمطالعة. وهو يتتبع أخبار الثورة أولاً بأول. وللكاتب نفسه رواية تسمى وال، وهي تدور حول الثورة كذلك. وله أيضاً كتاب آخر صغير الحجم يسمى حسين آهنى، ألفه لفئة الشباب، لكنه يفتقد لقيمة القصة الواقعية. نذكر كذلك قصة قصيرة لمحمد رضا سرشار تحت عنوان خدا حافظ برادر (وداعاً أيها الأخ) حول الثورة. وسياه ﭼمن (العشب الأسود) لأمير حسين فردي، تدور أحداث هذه القصة في بادية تابعة لإقليم كرمان، أهلهالم يعرفوا عن الثورة شيئاً إلا بعد مرور بضعة أشهر من قيامها، فلم يكن لهم دور في الثورة، والقصة تكشف أثر الثورة في حياة البدو في ناحية من أنحاء إيران. وكذلك نذكر حوض سلمون [حوض السلمون]تأليف محسن مخملباف، الذي تدور أحداثه قبل الثورة وتحكي قصة مواجهة ومقاومة رجل متدين للنظام الحاكم. أما كتاب أسير زمان [أسير الزمان] لإسماعيل فصيح الذي ألفه في عقد السبعينيات، فهو مثل سائر آثار فصيح له طابع بوليسي وجنائي، ويطفح بالحركة والأحداث. نذكر كذلك رواية آتش بدون دود [نار بلا دخان]، وهي رواية مطوّلة في سبع مجلدات لنادر إبراهيمي. وهو كان قد كتب نفس القصة قبل الثورة مع اختلاف في المحتوى، في مجلدين، وأكملها بعد الثورة ليصل عدد أجزائها إلى سبعة. نثرها جيد وبناؤها منسجم، تتميز هذه الرواية بشخصياتها المتعددة وفضاءاتها المتنوعة. شخصياتها الأصلية ثلاثة، رجلان وامرأة، رجل اشتراكي مادي، والثاني روحاني ومسلم مقاوم. و في الأخير تتغلب الشخصية الاشتراكية وفكره، لكن مع ذلك فهو يحب حضرة الإمام علي لأنه يتصور أن لعدالته الاقتصادية جانباً اشتراكياً، ولذلك أصبح صديقاً للروحاني، لأنهما الاثنين يقاومان عدواً مشتركاً (نظام محمد رضا اﻟﭙهلوي). رواية آتش بدون دود ممتعة، لكن قراءتها تأخذ وقتاً طويلاً. نذكر كذلك رواية رازهاى سرزمين من [أسرار أرضي] لرضا براهني، وهي في حدود ألف ومائتي صفحة. تبدأ وقائعها سنوات قبل الثورة، وتمتد إلى فترة انتصارها وما بعد ذلك. وهو عمل مشتت. أحد مضامينه الأصلية التفرقة بين الأتراك والفرس، وهو نفس المضمون الذي أنفق الاستعمار وخاصة الإنجليز وأمريكا وروَّج له لعشرات السنين. تكثر في هذه الرواية الإشارة إلى المسائل الجنسية لدرجة أثارت اعتراض الأوساط المثقفة على نشرها. وهناك قصص أخرى موضوعها الأصلي مواجهة النظام اﻟﭙهلوي، مثل آواز ﮐﺸﺘﮕﺎن [صياحالقتلى]، وبعد از عروسى ﭼﻪ ﮔﺬشت [ماذا حدث بعد الزفاف] لبراهني، فالأولى لا علاقة لها بالثورة الإسلامية، أما الثانية فعنوانها كناية عن الثورة الإسلامية. وكذلك قصة از ﭼﺎه به ﭼﺎه  [من البئر إلى البئر]،لنفس المؤلف يطرق فيها نفس الغرض. وكذلك قصة آتش از آتش [النار من النار] لجمال مير صادقي.
  كان مير صادقي عضواً في حزب "تودة". لكن هذا الاتجاه الغالب على هذا الأثر هو الاتجاه المنفتح وليس التوجه الماركسي، وهي قصة صغيرة الحجم ومنظمة، لا تتصل أحداثها بالثورة مباشرة، لكنها ترتبط بالمواجهات مع النظام اﻟﭙهلوي والساواك. أظن أن مشكل هذه الآثار هو محدودية مخاطبيها، فهي تختص في الغالب بقشر محدود من المثقفين، والسبب في ذلك راجع إلى افتقاد كتّاب هذه القصص إلى التجارب الشعبية والاجتماعية اللازمة. ولعل قلة متعة وجاذبية مثل هذه الآثار يكمن في هذا السبب. لأن العوام لا يستطيعون ربط الاتصال بينهم  بين هؤلاء، لكن بغض النظر عن جانب المحتوى والتوثيق، فإن أقوى رواية وأكثرها اتصالاً بالثورة هي رواية مدار صفر درجه [مدار صفر درجة]، وهي رواية ضخمة، تقع في ثلاث مجلدات (1800 صفحة). لكن عيبها يكمن في تحريف طرح الوقائع التاريخية، فهي تصور أن الثورة جاءت وشرعت من الماركسيين والشيوعيين وتقدمت بفضلهم، وحين انتصرت جاء رجال الدين (الروحانيون والمذهبيون) وامتطوا هذا الفرس وأخذوا بلجامه. لكنه عمل ممتع وجذّاب. هناك بعض القصص التي تجنبت طرح مواضيع ترتبط بالثورة الإسلامية، لكنها جعلتها هدفاً لها بانتهاج قالب رمزي أو تمثيلي، فعلى سبيل المثال أحمد محمود هذا في كتابه درخت انجير معابد صوَّر إرادة الثورة الإسلامية  الشعبية وقيام الناس كأنه مدينة خيالية، واستعان بأسلوب وسياق القصص الواقعية السحرية. قائد تلك الثورة إنسان درويش كاذب، ووصفه لحالته الروحية تدل على أن الكاتب كان له عين على الثورة. رسمت هذه القصة لهذا الشخص الدرويش ولأتباعه الجُهَّل والخرافيين (بصفتهم عامة الشعب) صورة فاشية. وقد طرح مقابل هذا التيار الخرافي الشبه مذهبي والانتهازي تياراً آخر يمثله عدة شخصيات روحانية مثقفة. أما رواية خانه ادريسى ها [منزل الإدريسيين] لغزاله عليزاده فتطرح في الظاهر ثورة اشتراكية (شيوعية)، فيها نوع من التشبيه الرمزي يعطف ذهن القارئ إلى مقصود وكنه الكاتبة. وكذلك رواية شهرى كه زير درختان سدر مرد [المدينة التي قضت تحت أشجار السدر] لخسرو حمزوى تنطوي على تشبيهات رمزية تُلمِّح للثورة الإسلامية. سعى كاتب القصة إلى تشبيه قائد قصته الروحاني بالإمام الخميني وتشبيه حاشيته بحاشية الإمام، كما سعى إلى تصوير عامة الشعب في قصته بشكل مشابه لأتباع وبطانة الإمام الخميني. فهو يرسم للمذهبيين صورة فظيعة وسيئة. نذكر كذلك المجموعة القصصية سالهاى ابرى [السنوات السحابية] لعلي أشرف درويشيان. بطل هذه المجموعة هو الكاتب نفسه، وهو عنصر ماركسي. أما جزيره سرﮔردانى و ساربان سرﮔردان لسيمين دانشور ابتدأت قبل الثورة بقليل واستمرت حتى السنوات الأولى للحرب. وكذلك سالهاى بنفش لإبراهيم حسن ﺑﻴﮕﻰ، فإنها من القصص المعدودة التي نظرت إلى الثورة نظرة إيجابية.
  مع ذلك فإننا لا نتوفر لحد الساعة على رواية شاملة ومنصفة ووفية لوقائع الثورة الإسلامية الأساسية. بطبيعة الحال لا يُتوقع من أفراد غير مسلمين أو شبه مثقفين من أمثال أحمد محمود أو سيمين دانشور أن يخلقوا مثل هذه الآثار.
  واقع الأمر أن جيل الثورة الملتزم لم يكن له حضور يُذكر في ساحة الأدب القصصي قبل الثورة، بخلاف أدب الأطفال.
  وقد تأسس في عقد السبعينيات مكتبان عُنيا بهذا الأمر بشكل جدي : الأول مكتب أدب الثورة في مركز التربية الفكرية للشباب، وعمل على توصية الكتاب وتشجيعهم على تأليف قصص حول الثورة الإسلامية، وقد نشر هذا المركز آثاراً كثيرة. وممّن نُشرت لهم قصص مطولة في هذا المركز نذكر : نورا حق ﭘرست و افسانه شعبان ﻧﮋاد و محمد رضا محمدي ﭘاشاك، هذا الأخير نشر مجموعة من القصص تحت اسم "قصص الثورة".
  بناء على ذلك فإننا نجزم أنه إذا كانت الكتابة الروائية في شكلها الجديد ظهرت في إيران متأخرة عن الغرب بأكثر من 300 سنة، فإن جيل الكتاب الملتزمين دخلوا إلى هذه الساحة متأخرين عن غيرهم بحوالي ستين سنة على الأقل. يُضاف إلى ذلك، أن هذا الجيل كان فتي السن ويفتقد للتجارب اللازمة، فكتاب العقد الأول بعد انتصار الثورة الإسلامية حديثو السن ويفتقدون للتجربة الاجتماعية. إنهم لم يعايشوا الوقائع التي كانت في العقود السابقة التي انتهت بالثورة. وحتى سنهم الفتي لم يكن يؤهلهم لتعويض هذا النقص، لذلك فإنهم لم يكونوا يهتمون بالكتابة الروائية للكبار. أما الكتاب الكبار في الجيل السابق فإما أنهم لم يكونوا مع الثورة الإسلامية، وإما كانوا معارضين لها، لذلك لم يريدوا أن يصرفوا تجاربهم في الكتابة حول هذه الثورة. والذين كتبوا منهم حول الثورة كتبوا ذلك بعد نجاح الثورة بسنوات عديدة، وبالتالي حرّفوا وقائع الثورة. يعني ذلك، أن الذين كانوا يمتلكون تجارب مهمة في هذا الفن لم يؤلفوا شيئاً عن الثورة، والذين كانوا يريدون الكتابة لم يستطيعوا بسبب الإمكانات المادية وضيق الوقت.
  بعد انتصار الثورة بسنة وبضعة أشهر (سبعة أو ثمانية) بدأت الحرب العراقية الإيرانية المصيرية فكان من اللازم تجنيد كل الإمكانيات والطاقات المادية والمعنوية للحرب. وكانت مسؤولية إدارة الشؤون الثقافية والفنية تقع على كاهل أهل القلم من الملتزمين. لذلك فقد وجّه الكتاب المذكورون اهتمامهم الكامل صوب هذا الموضوع الجديد أي "الدفاع المقدس". وهذا ما يفسر توفرنا حالياً على آثار مهمة حول "الدفاع المقدس" سواء من الناحية الكمية أو الكيفية.
  وحين انتهت الحرب الإيرانية العراقية كانت قد خلقت فجوة ذهنية كبيرة تمتد عشر سنوات من تاريخ نجاح الثورة، لذلك كان من الصعب بالنسبة للكاتب، من الناحية الذهنية، العودة إلى ذلك العالم الخاص. أضف إلى ذلك أن طيفاً مهماً من الجيل المرتبط بالثورة بدأ يتشكل في ذهنه استحالة العودة الفكرية إلى ذلك العهد، وبالتالي استحالة دخول ساحة الأدب القصصي الثوري. كما أن مثل هذه الآثار لم يعد لها مخاطب، إذا أضفنا إلى ذلك، التدني الحاصل في معدل نشر الكتب، والذي جعل عدداً مهماً من كُتَّاب جيل الثورة يحجم عن الكتابة بصفتها عمله الأول والأصلي وينصرف للكتابة في المواضيع التي تذر عليه أرباحاً أكثر وبوتيرة أسرع. إذا علمنا ذلك فسيسهل علينا إدراك أسباب هذا الركود في الكتابة.    

  

قراءة وتحليل لمقطوعة "حلم" للشاعر الايراني المعاصر گروس عبد الملكيان


قراءة في قطعة "حلم" للشاعر كروس عبد الملكيان 
للأستاذ مصطفى المكاوي
شاعر وطالب اللغة الفارسية والأدب العربي 
جامعة شعيب الدكالي بالجديدة.

شعر رویا
از : گروس عبد الملکیان
از مجموعه‌ی (پیامبر شدن در جزیره‌ی متروک)
الحلم
للشاعر الإيراني المعاصر كروس عبد الملكيان
من مجموعته (أن تصبح نبيّاً في الجزيرة المهجورة)
تعريب أحمد موسى
قراءة وتحليل مصطفى المكاوي


نه راهي به رويا مي رسد................................لا توصل طريق إلى الحلم
نه رویایی به راه..............................................ولا حلم إلى الطريق
برمی‌گردم......................................................سوف أعود
به رنگ‌های رفته‌ی دنیا................................إلى ألوان الدنيا الزائلة
به موهای مادرم..............................................إلى شَعْر أمي
پیش از آن که پدر ببافدش............................قبل أن يضفره والدي 
به خاک...........................................................إلى التراب
پیش از آن که تو در آن به خواب روی...........قبل أن تغط فيه أنت نائماً
و آن کتاب کوچک غمگین.............................وذاك الكتاب الصغير الحزين 


بين الحلم والطريق مسافة لا يطويها الخطو، لم تعد الطريق تسعف للوصول إلى الحلم، ومعلوم أن الطريق قد نذرت نفسها منذ البدء لمهمة العبور إلى هناك، إلى الضفة الأخرى وإلى العالم الآخر، إلى الحلم، إلى حيث يشاء الإنسان، فهل تعبت الطريق من العابرين؟ من وجوه المارين؟ من لا جدوى اختياراتهم؟ الحلم ملاذ الحيارى، الحلم متنفس، الحلم مشاع، الحلم مجاني، الحلم سهل الامتطاء، الحلم جميل، الحلم ملح الحياة، الحلم حمل وديع، الحلم بديع، فكيف للحلم الآن أن يدير ظهره ويتمنع ؟ ويضحى عصيا على الامتثال صعب المراس؟ كيف للحلم أن يرفض هو الآخر أن ينقلك ويوصلك إلى الطريق؟ الطريق بداية البحث والاكتشاف والمغامرة، وهي غير الطريق الأولى التي تنحصر وظيفتها في الإيصال إلى الحلم. أمام هذا الموقف لا يملك الشاعر إلا الرجوع والعودة إلى "شيء" آيل إلى الزوال، لكن سيكون في الاستقبال واحتضان العائد صفر اليدين بعد ما لم تسعفه لا الطريق ولا الحلم إلى الوصول. ظل الشاعر حبيسا مثبتا في نقطة واحدة، وكاد الزمن يتوقف، وضاقت به الأرض، لكن وجد الانفراج فيما هو زائل.... ألوان زائلة اختزلت في شعر الأم المصطبغ، بألوان مختلفة وقد بلغت الأم من الكبر عتيا.

مختارات من رباعيات بابا طاهر عريان (تعريب : صالح الجعفري)





إِنَّ عُمْـرَ الزّهـرِ في الأيّام أسبوع فقـط

والرّبيـعُ النّظـرُ في الأَعْوَاِم أُسْبُوعٌ فَقَطْ
فَاغْنَمِ الوَقْتَ وَرَوّي النَّفْسَ  مِن رَيّا الحبيب

فـوِصَالُ الحُـبِّ مَهْمَا دَامَ أُسْبُـوعٌ فَقَطْ



ليس في دُنْياكَ من يَبْـقَى علَى مَرِّ اللَّيَـال

سَاحِباً مِن فَـوْقِها أَذْيَـالَ أَثْـوابِ الخُلُود
إن تَكُنْ تَأْمَل في "لاَ تَقْنَطُـوا" حُسْنَ  المَآل

فَلْيَكُنْ عندَكَ مِن "يَا وَيْلَنَا" خَـوْفٌ شَـدِيد



لَسْتُ أَدْرِي عن غِيَابِي لَسْتُ أَدْرِي عن حُضُورِي

لَسْـتُ أَدْرِي أَأَنَـا فِي سَفَرٍ أَمْ حَضَـر ؟
كُلَّمَا أَعْـرِفُ يَا أَصْلَ ذُهُولِـي وَثُبُـورِي

هـو أنِّي قـد تَشَرَّدْتُ طَـوَالَ العُمُــر



لاَ أنفـكُّ فـي وَجْــدٍ، وَذُلّ، وهُيــام

فوسـادي، ومـهادي لَبنَـاتٌ وَرِمَــال
كُلُّ جُـرْمِـي هو أنّـي بِكَ صَبٌّ مُسْتَهَام

أترى كـلَّ الألَى هَامُوا عَلَى هَذَا  المِثَال ؟



يا عَـزِيزِي لَكَ  من عَيْنِـي مَأْوى وَمَثَاب

يا عَـزِيزِي وَثَرَى رِجْلَيْكَ مِصْبَاحُ العُيُون
يا عـزيزي فـتَبَوّأْهَا، وَحَـاذِرْ أن تُصَابَ

حِينَ تَسْهُـو بِـالأَذَى مِن شَـوْكِ الجُفُون



أنتَ أَحْلاَمِـي، وَلَـوْلاَكَ فـدُنْيَايَ سَرَاب

أنتَ أَفْـرَاحِي، ولَـوْلاَكَ فَـلاَ كَأْسٌ وَرَاحٌ
أنا من هجرك في حالي خفوقٌ واضطراب

أرأيتَ الشجر المهزوز في عرض الرياح ؟



أنت أنت الروح يا أغلـى من الروح تعال

أنت أنت الآمـرُ النّاهـي بـلا ندّ تعـال
أنت تـدري أنا لا أعرف إلاك تعـــال

أنت إيماني، أنت الأصـل والفصـل تعال



قد شَرِبْتُ الخمرَ خمرَ الكَرْمِ صِرْفاً فَانْتَشَيْت

فلِمـاذا لَمْ أَفُـزْ للآن في وَصْلِ الحَبِيب ؟
مَا تَـلَذَّذْتُ بِدفءِ النَّـار لَكِنّـي اكْتَـوَيْتُ

بشَـرَارِ الهَجْرِ، والصَدِّ، وَأْعْمَاني اللَّهيب



يا عَـزيزي هَـذِهِ الزَّهْرَةُ تِذْكَارِي لَدَيْـك

فَتَقَبّلْهَا وَضـَعْهَا فِـي مَطَـاوِي وَفْـرَتَيْك
فَـإِذَا مَـا اشْتَقْتَنِي يَـوْماً وَأبطَـأْتُ عَلَيْك

فَـانْتَشِقْهَا، فَسَتَحْكِـي عِطْرَ أَشْـوَاقِي إِلَيْك



راح ثلجُ الليـل يُلقي ثقلَـه فَـوقَ الزُّهُور

فطَـوَى زهريَ عن عيْنِي وَأَضْنَانِي سُهَادا
أَدْرَكَ الغَارِسُ أَنِّـي أَعْشَقُ الوَرْدَ النّضِير

فأقـام الشَّـوْكَ بِالآلافِ حُـرّاساً شِـدادا



إنّ غَـمَّ العِشْق أَغْلَـى كلّ كنـز يدّخـر

وثوان الوصل أشهـى لي من عمر الزّمان
ملءُ كفّـي من ثرى رابية النّور الأغــرّ

يفضُلُ العالمَ في الجملة كَـوْناً ومَكَـــان



بِسَنَـى بَــدْرِ مُحيّـاكَ لِسِتٍّ وَثَــمَان

بتثنّي قدُّكَ المَمْشُـوقُ يَـا سَامي الخِصَال



إنّ عِشْقِـي لك مِن قَبْـل حُدُوثِ الحَدَثان

حِـينَ لاَ دَيَّــارَ إلاَّكَ قَـدِيماً مُــتَعَال
آنَ أن نَـرْفعَ  يا صَـاحِ عَــنِ الدُّنيا يَدا

آنَ ننقذَ هــذا القلــبَ مــن وَحْلَتِـه
آنَ أن نَـحْملَ مَـا نَلْقَى بِـه الحُسْنى غَدا

نبذِرُ الخيْـرَ فَنَسْتَمْتِـعُ مِـن غِلَّتِــــه



أنـا للحَــدِّ الـذي أذكُره مِـنْ عُمُـري

عِشْتُ مـن هَجْركَ نَـوْحاً وَأَنِينـاً وَحَنِين
ما عَـرَفْتُ الأُنْـسَ بِالعيْـنِ ولاَ بِالأثَـر

بلْ عَرَفْتُ الحُزْنَ والكَرْبَ عَلَى مَرِّ السِّنِين



أيُّها النَّـاهبُ مـا يَرْبُو عَلَـى أَلْـفِ فُؤَادٍ

مُغْـرِقاً بِالـدَّمِ أَكْبَاداً حِـرَاراَ لَيْسَ تُحْصَرُ
أَحْصِي مَا اسْتَطَعْتَ حُرُوقاً فِيَّ مِن جَمْرِ البِعَاد

وَالذي لَـمْ تَسْتَطِعْ إِحْصَـاءَهُ مِنْهُنَّ أَكْثَـرُ



ربُّ زِدْ روحيَ في عِشْقـكَ حَرْقاً ووَلوع

وأذِبْ فـي نَـارِه عَظْمي ومـا صَارَ إليه
رَبُّ دَعْ عِشْقك يَحْـرِق بَدَنِي مِثْلَ الشُّمُوع

ودَعِ القلـبَ يَحُمْ مثـلَ الفَـراشاتِ عليـه



لُطفُ الله فقد أَوْفـى حَبِيبِـي بالعُهــود

أَنْعَشَ القلْبَ بما أمْتـعَ  مـن عَذْبِ حواره
ولـو أنّ الشّاهَ أهْـدَى مُـلكَ شِيرازَ العَتِيد

ليَ مَـا أسْعَدَنِي مِثـلَ حُضُـورِي بِجِوارِه



مَـنْ مُجِيرِي يَوْمَ  أَلْقَـى اللهَ عَدْلاً مُطْلَقاً ؟

يَـوْمَ تَبْـدُو لِـيَ أَهْوَالُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيم
إِذْ يَجُـوزُ الخَلْقُ بِـالتَّرْتِيبِ ذَاكَ المَأْزَقَـا

مَنْ مُجِيرِي حِينَ يَأْتِي دَوْرِيَ الصَّعْبُ العَظِيم